أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٢٠ - النور الثالث و هو نور الإدراك
و في الحديث الأول أنه علم كم خزنة النار، و حملة العرش، و أنه أوتي فواتح الكلم و خواتمه: أي أوائله و أواخره و جوامعه: أي أسراره التي جمعت فيه.
و الكلم يحتمل أن يراد به خصوص الكلام العربي، و أن يراد به كل الكلام من جميع اللغات التي لبني آدم، أو التي لسائر الخلائق من جنّ و إنس و ملك و حيوان و غيرها، و هو أظهر لمعرفته بلسان الكل، و بعثته له على القول المرتضى، و اللّه أعلم.
و قد ذكر المحققون من العلماء أن رؤيته (عليه السّلام) للجنة و النار في صلاة الكسوف هي رؤية عين، بأن رفعت الحجب بينه و بينها حتى رآهما رؤية حقيقية، و طويت المسافات بينه و بينهما حتى أمكنه أن يتقدّم إلى الجنة، و أن يتأخر عن النار، و لا مانع من هذا و هو الأقرب، و الأشبه بظاهر الحديث و يؤيده ما ذكروه، و يأتي في هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى من أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إذا قالوا: رأينا الجنة أو النار أو غير ذلك، فالمرئي لهم هو الحقيقة دون المثال، بخلاف الولي.
و يؤيّده أيضا ما وقع في بعض الروايات المذكورة، من أنه تناول من الجنة عنقودا، و في الرواية الأخرى: إنه أراد أن يأخذ منها قطفا، و هو اسم لكل ما يقطف، و ما وقع في بعضها أيضا من أنهما دنتا أو أدنيتا منه، و أنه جعل ينفخ خشية أن يغشاهم حر النار.
و منهم من حمل الرؤية [١] فيهما على رؤية المثال، و أنهما مثلتا له و صورتا في قبلة المسجد، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيهما، و استدلّ له بحديث أنس الآتي، و هو في الصحيح: «لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الجنة و النار ممثلتين في قبلة هذا الجدار».
و في رواية: «و الذي نفسي بيده لقد عرضت عليّ الجنة و النار آنفا في عرض هذا الحائط و أنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير و الشر».
[١] الرؤية: المشاهدة بالبصر، لا بالبصيرة. حيث كان الإبصار من النشأة العاجلة أو الآجلة. قال الكليم (صلوات اللّه عليه و سلامه): ( (أرني أنظر إليك)) و لم يقل: أشهدني، فإنه المشاهدة بالبصر كانت حاصلة له حين طلب الرؤية.