أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٦٣ - النور الواحد و الثلاثون و هو نور العبودية
قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «أقرب ما يكون العبد من ربّه و هو ساجد [١]»، فبحسب ظهور التذلل في التصرفات و الأوصاف و الأحوال تتحقق العبودية، فيتحقّق القرب و الدنوّ لمقابلة من العلوّ، من حيث إن أقرب قريب لا طرف منظر فيما يقابله من الطرف الآخر؛ ليظهر معنى من الختم لالتقاء الطرفين.
قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا يزال اللّه من العبد و العبد من اللّه ما لم يخدم، فإذا أخدم وقع عليه الحساب [٢]»، و لذلك كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) يخدم في مهنة أهله، و يقم البيت، و يرقّع القميص، و يخصف النعل، و يتولّى علف فرسه بيده، و يناول السائل بيده، و يضع يده مع الخادم في الطحين، و يجلس للأكل جلوس العبد كجلوسه في الصلاة؛ لتكون هيئته في تعبّده في صلاته و في أكله هيئة واحدة، فيكون دائم العبودية غير منصرف عنها، و لما قيل له في ذلك قال: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد [٣]».
و قيل له مرة: أ تأكل كما يأكل العبد؟! فقال: «و أيّ عبد أعبد منّي [٤]».
فكان (صلى اللّه عليه و سلّم) يتخلّى عن وجوه الترفعات كلها في ملبسه و مطعمه و مشربه و مبيته و مسكنه؛ إظهارا لظاهر العبودية فيما يناله العيان منه صدقا عمّا في باطنه من تحقّق العبودية لربّه بما هو بمعنى الذي جاء بالصدق و صدق به، و كان يظهر ذلك في أحوال ما يغلب عليه وصف العزة تحقيقا للعبودية و تخليا للعليّ الحقّ.
دخل (صلى اللّه عليه و سلّم) مكة عام الفتح حين أحلّ اللّه له ما لم يحل لأحد قبله و لا يحله لأحد بعده بما
[١] رواه مسلم (١/ ٣٥٠)، و أبو داود (١/ ٢٣١)، و النسائي في الكبرى (١/ ٢٤٢)، و أحمد (٢/ ٤٢١)، و أبو نعيم في الحلية (٦/ ٧١)، و ابن أبي عاصم في الزهد (١/ ١٩٦).
[٢] رواه الديلمي في الفردوس (٣/ ٩٢)، و البيهقي في الشعب (٧/ ٣٨٠)، و أبو نعيم في الحلية (١/ ٢١٥)، و معمر بن راشد في مسنده (١١/ ٩٧).
[٣] رواه البيهقي في الكبرى (٧/ ٢٨٣)، و هناد في الزهد (٢/ ٤١١)، و الديلمي في الفردوس (١/ ٣٤١)، و ابن سعد في الطبقات (١/ ٣٧١).
[٤] رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٠)، و ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢١).