أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٤٥ - بحث في ردّ شبه المنكرين على السادة المتحققين
ثم أرسلها إلى الحافظ، فتنبّه الشيخ لأمر كان عنه غافلا، ثم أذعن لأهل الطريق، و صحب للّه الشيخ أبا مدين حتى مات رحمة اللّه تعالى عليهم أجمعين.
و نقل الإمام القزويني في كتابه «سراج العقول» عن إمام الحرمين: أنه سئل عن كلام الصوفية، فقال: لو قيل لنا: فقولوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه لقلنا هذا طمع في غير مطمع؛ لأن كلامهم بعيد المدرك و عين المسلك، يغترف من تيار بحر التوحيد، و من لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق، كما أنشد بعضهم في هذا المعنى:
تركنا البحار الزّاخرات وراءنا* * * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا
و سئل شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم غلاة المبتدعة و أهل الأهواء و المتفوّهة بالكلام على الذات المقدّسة؟ فقال: اعلم أيها السائل أن كل من خاف من اللّه عزّ و جلّ استعظم القول بالتكفير لمن يقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه؛ إذ التكفير أمر هائل عظيم الخطى؛ لأن من كفّر شخصا فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد الآبدين، و أنه في الدنيا مباح الدم، و المال لا يملك مسلّمة، و لا تجري عليه أحكام المسلمين في حياته و لا بعد مماته، و الخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم امرئ مسلم، و في الحديث: «لأن يخطئ الإمام في العفو أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يخطئ في العقوبة [١]».
ثم أن تلك المسائل التي يفتى فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة و الغموض؛ لكثرة سعتها، و اختلاف قرائنها، و تفاوت دعاويها، و الاستقصاء في معرفة الخطإ من سائر صنوف وجهه، و الاطّلاع على حقائق التأويل و شرائطه في أماكنه، و معرفة دلائله في التوحيد و غوامضه إلى غير ذلك مما هو متعذّر على أكابر علماء عصرنا، فضلا عن غيرهم، و إذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقد في عبارة فكيف يحرّرها اعتقاد غيره من عباراته! فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرّح بالكفر، و اختاره دينا، و جحد الشهادتين، و خرج
[١] رواه البيهقي في الكبرى (٨/ ٢٣٨).