أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٩٣ - و أمّا النقل
و ما ورد عن السلف و الخلف مما رواه خلائق في كتب الحقائق و الرقائق، و صحّت به الروايات، و أخبر به الأولياء و العلماء و الثقات، فمن ذلك:
ما رواه القشيري عن الشيخ أبي يعقوب السوسيّ؟ قال: جاءني مريد مكة، فقال: يا أستاذنا، غدا أموت وقت الظهر، فخذ هذا الديا نار فاحفر لي بنصفه، و كفنّي بالنصف الآخر.
ثم لما كان الغد وقت الظهر جاء، و طاف، ثم تباعد، و مات فغسلته، و وضعته في اللحد، ففتح عينيه، فقلت أ حياة بعد موت، فقال: أنا حيّ و كل محبّ للّه حيّ.
و قال أبو سعيد الخرّاز: دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيرا عليه خرقتان يسأل شيئا فقلت في نفسي: مثل هذا كلّ على الناس، فنظر إليّ و قال: و اعلموا أن اللّه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، قال: فاستغفرت اللّه تعالى في نفسي، فناداني و هو الذي يقبل التوبة عن عباده.
و قال خير النّساج: كنت جالسا في بيتي فوقع لي أن الجنيد بالباب فنفيت عن قلبي، فوقع ثانيا و ثالثا، فخرجت فإذا أنا بالجنيد، فقال: لم لم تخرج مع الخاطر الأول؟.
و قال أبو العباس بن مسروق: دخلت على شيخ من أصحابنا أعوده فوجدته على حالة رثّة، فقلت في نفسي: من أين يرتفق هذا؟ فقال: يا أبا العباس دع عنك هذه الخواطر الدنيّة؛ فإن للّه ألطافا خفيّة.
و عن الشيخ أبي عبد اللّه القرشي قال: هجم أهل الشرك ببلاد الأندلس على قرية من قراها فدخلوها في غرة، فشقّ على أهلها، و أخذوا في طريقهم أسارى عديدة فانزعج أهل الأندلس لذلك، و بلغ الخبر أن الأسارى يرمى لهم الحشيش مع الخيل و هم مكتوفون فيأكلون بأفواههم كما ترعى البهائم.
قال: فبت في بعض تلك الليالي عند الشيخ أبي إسحاق بن ظريف، فوضع الطعام بيننا ثم تنفس بعد أن قال: بسم اللّه، ثم قال: يا محمد، أ ما بلغك ما طرأ على المسلمين. فقلت:
نعم. فجعل يقصّ الخبر، و يبكي حتى علا بكاؤه، ثم قال: و اللّه لا أكلت طعاما و لا شربت