أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٥٨ - النور الثامن و العشرون و هو نور الخير المحض
و اعلم أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) من حين نشأته الروحية أزلا إلى تنزله إلى الحس، و منه إلى البرزخ، و منه إلى الدار الآخرة، لم يحجبه عن مشاهدة ربه حجاب و غفلة أصلا، بل هو كل آن ملتفت إلى ربه، قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «كنت نبيّا و آدم بين الماء و الطين [١]».
فأعلمه تعالى بنبوته، و استصحب ذلك بالالتفات إليه تعالى إلى حين خلق جسمه ببلد لم يكن فيها موحد غيره، ثم صار يتحنث بغار حراء إلى أن أرسله اللّه تعالى إلى كافة خلقه، و قد قال مشيرا إلى استصحاب هذه المشاهدة: «تنام عيناي و لا ينام قلبي [٢]».
فهو نائم حسّا ليس نائما معنى كما أن موته كذلك، و هذا مقام ما ناله بشر سواه، مع أنه ببشريته قد وقع له تخلل بهذا المقام دون روحانيته.
و اعلم أن الكامل إذا تخلق بالأسماء الإلهية و تحقق بها يصير ملحوظا من جانب الأزل محفوظا بالكلية عن أن يلم به الخطأ أو يعرض له الزلل لكونه تخلق في جميع حركاته و سكناته بأسماء الحق، و تحقق في ذاته و صفاته بطهارته عن أحكام ما سوى الحق بحيث لم يبق له فعل سوى فعل حق بحق لحق.
قال تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧].
و قال: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠].
و قال: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣]؛ لتحققه بجميع ذراته و سائر حالاته بالحق تعالى، و من وصل لهذه المرتبة لا تكون له إرادة ممتازة عن إرادته تعالى، بل هو مرآة إرادة ربه و غيرها من الصفات، و حينئذ لا تخرج أحكامه عن أحكامه، و لا تصرفاته الباطنية عن تصرفه، و يقع ما يريده من غير احتياج إلى قول و لا دعاء لموافقة إرادته لإرادة ربه و هو تعالى فعال لما يريد.
و قال العارف باللّه سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه: «كشف الغمة» في الباب
[١] ذكره المناوي في فيض القدير (٥/ ٥٤)، و العجلوني في كشف الخفا (٢/ ١٦٩).
[٢] رواه أبو داود (١/ ٥٢)، و الترمذي (٤/ ٥١٨)، و أحمد في المسند (١/ ٢٢٠).