أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٧ - الرد على من رمى أهل الحق بالزندقة و الكفر
و كان المزني أحد أصحاب الإمام الشافعي يمتنع من تكفير أهل الأهواء، و يقول:
إن المسائل التي يقعوا فيها لطاف تدقّ عن النظر العقلي.
و كان إمام الحرمين يقول: لو قيل لنا فصّلوا لنا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضيه.
لقلنا: هذا طمع في غير مطمع؛ فإن هذا بعيد المدرك، وعر المسلك، يستمد من تيار بحار التوحيد، و من لم يحط علما بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق.
و كان لسان حال أهل التوحيد من الأكابر يقول:
تركنا البحار الزخرات وراءنا* * * فمن أين يدري النّاس أين توجّهنا [١]
و كان أبو المحاسن الروياني و علماء بغداد قاطبة يقولون:
لا نكفّر أحدا من أهل المذاهب المختلفة؛ لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) قال:
«من صلّى صلاتنا و استقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فله ما لنا، و عليه ما علينا [٢]».
و قد سأل الشيخ شهاب الدين الأذرعي: سيدنا و مولانا شيخ الإسلام تقي الدين السبكي (رحمه اللّه) عن تكفير أهل الأهواء و البدع؟
فقال: اعلم يا أخي أن كل مؤمن يستعظم الأمر بالتكفير؛ لأنه أمر هائل عظيم الخطر.
و هو كما قال اللّه: وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
أو من كفّر إنسانا فكأنه أخبر عنه أن عاقبته في الآخرة العقوبة الدائمة أبد الآبدين، و أنه في الدنيا مباح الدم و المال، لا يمكّن من نكاح مسلمة، و لا يجرّ عليه أحكام أهل الإسلام في حياته و بعد مماته.
[١] من كلام الشيخ الأكبر (قدّس سرّه).
[٢] رواه البخاري (١/ ١٥٣)، و النسائي في الكبرى (٧/ ٧٦)، و الطبراني في الكبير (٢/ ١٦٢)، و ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٢٨).