أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٤٥ - النور الرابع و العشرون و هو نور الإحاطة
ابن الفارض» جواب آخر نصه: نعم إذا حيّطهم بالتشديد جعلهم محيطين به علما سبحانه و تعالى بأن أبهاهم في ظهور وجوده الحق بحيث لا يبقي منهم عندهم بقية، و تضمحل رسومهم في حقيقته النورية بالكلية، فعند ذلك يحيطون به علما، و إنما المحيط به مولاهم، و أما أنهم يبقون موجودين، فالوهم عند نفوسهم، و مع ذلك يحيطون به علما، فذلك من أعظم المحال، و ليس لأحد أصلا في ذلك مجال، و لا يتصور عنه جواب و لا سؤال؛ لأن الموجود عند نفسه قائم بالوهم المجرد، فلا يعرف نفسه، و إذا لم يعرف نفسه فلا يعرف ربه، و إذا لم يعرف ربه فليس بوليّ للّه، و هذا السؤال سؤال الأولياء لبعضهم بعض، لا سؤال الغافلين للغافلين. انتهى المراد منه بلفظه.
قلت: في شرحه اللامية نقل كلام ابن الفارض هذا ثم قال: و لا يمنع من قولهم: إذا حيطهم يحيطون قوله تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: ١١٠]، و قوله سبحانه: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة: ٢٥٥]، يعني ما لم يحيطهم فيحيطون، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
و أيضا فإن المفهوم من قوله: إذا حيطهم بتشديد التحتية أنه إذا خلق لهم الإحاطة اللائقة بهم المخلوقة له اتصفوا بها فأحاطوا به، لا كإحاطته تعالى بنفسه؛ لأن إحاطته بنفسه قديمة، و إحاطتهم حادثة، و القديم منزّه عن مشابهة الحوادث.
و إذا علم هذا كله فالأظهر هو تأويل كلام الأستاذ البكري أيضا إما بمثل ما ذكره مولانا عبد الغني في جوابه أو لا عن التحييط بأن يقال: إن الحق تعالى تجلّى عليه بذاته و أفناه عنه و عن فنائه و جميع صفاته، حتى اضمحلت رسومه، و ذهبت آثاره و علومه، و غرق في أنوار ذات الحق، فصار عند ذلك مظهرا له تعالى، عالما بمعلوماته، و إنما العالم بذلك هو سبحانه لا غيره، و هذا التجلّي كما سبق في كلام الأستاذ أبيض الوجه يمكن أن يكون ما هو واقع الآن، بل وقع تكرمة له (صلى اللّه عليه و سلّم)، ثم ألقيت عليه أستار العزة الإلهية إقامة لنواميس الربوبية، و إرجاعا إلى منازل العبودية، و إما بأن يقال: إنه أراد به أنه (عليه السّلام) كان يعلم جميع علم اللّه تعالى في خلقه، أو نقول في مكوناته، لا أنه أراد جميع علمه مطلقا حتى يشمل علوم الذات العلية بأسرها؛ ليكون كلامه هذا موافقا لكلام غيره من الأولياء.