أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٤٦ - النور الرابع و العشرون و هو نور الإحاطة
إن اللّه تعالى أطلعه على جميع علمه في مكوناته لا مطلقا كما يأتي عنهم، و ليسلم من الاعتراض السابق عليه بلزوم التساوي بينه و بين علم اللّه تعالى، و إن أجيب عنه كما مرّ، فإن الحق الذي عليه المعول أنه لا مساواة في شيء و بين الحادث و بين القديم الأول.
و أما قوله في الحديث: فتجلّى لي كل شيء و عرفته. فيمكن تخصيصه أيضا بالمكونات، و إذا عمم فيه فيحتمل في الذات العلية و أوصافها على ما مرّ، أو على ما يليق أن يعلمه أفضل مخلوق، و أكمله من الخالق، و اللّه أعلم.
و أما التكفير في هذه المسألة- أعني مسألة ادعاء الإحاطة في علمه (صلى اللّه عليه و سلّم)- فيبعد، و لا سيما في حق من أجمل في الكلام و لم يصرح بما يفيد العموم الحقيقي و المساواة؛ لعلم اللّه تعالى و على فرض التصريح، فإنما يظهر لو ادعى أن ذلك حاصل له (صلى اللّه عليه و سلّم) من ذاته و بطريق الاستقلال، أو ادعى قدم علمه (صلى اللّه عليه و سلّم)، أو حدوث علم اللّه تعالى، أو تماثلهما في الحقيقة و الذات، و هذا لا يدعيه أحد ممن ذكر، و لا يتفوّه به، بل ينكره أشد الإنكار، و يكفر القائل به إذا عرض عليه، فإن قيل: بعض هذا لازم من قولهم.
قلنا: لا نسلم اللزوم كما سبق بيانه، و على تسليمه فهو بعيد لمن قال و لازم القول لا يعد قولا إلا إذا كان اللزوم بيّنا، و هو هنا غير بين، و حينئذ فلا يكفر في هذه المسألة بالنسبة لما ذكر أصلا، فاعرف ذلك و تبيّنه، و أعرض عما سواه، و ربنا سبحانه و تعالى يمن علينا و عليك برضاه، آمين.
و أفتى بالثالث- و هو أن علمه (صلى اللّه عليه و سلّم) محيط بالأشياء و لكن لا كإحاطة علم اللّه تعالى- جماعة ممن نحا نحو التوسط و الجمع بين النصوص و الأدلة، و قالوا: إن هذا هو التحقيق و ما سواه خلافه.
و مما يدل له ما ذكره الشيخ الأكبر في فتوحاته في الباب الخامس و الستين و ثلاثمائة و نصه:
و ما ذكر عن أحد من نبي و لا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس إلى حين موته، بل يعلم بعضا و لا يعلم بعضا إلى أن قال: فلا يعلم الأمور على التفصيل