أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٣٢ - النور الثالث و هو نور الإدراك
و قال في «نقش النصوص»: العالم المثالى هو عالم روحاني من جوهر نوراني، شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريّا، و بالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيّا، و ليس بجسم مركب مادي، و لا جوهر مجرد عقلي؛ لأنه برزخ وحد فاصل بينهما، و كل ما هو برزخ بين الشيئين لا بدّ و أن يكون غيرهما، بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه، إلا أن يقال: إنه جسم نورانيّ في غاية ما يكون من اللطافة، فيكون حدّا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة و بين الجواهر الجسمانية المادية الكثيفة، و إن كان بعض من هذه الأجسام أيضا ألطف من بعض، كالسماوات بالنسبة إلى غيرها، فليس بعالم عرضي كما زعم بعضهم؛ لزعمه أن الصور المثالية منفكة عن حقائقها، كما زعم في الصور العقلية، و الحق أن الحقائق الجوهرية موجودة في كل من العوالم الروحانية و العقلية و الخيالية، و لها صور بحسب عوالمها انتهى.
و قال آخرون: عوالم المثال عالم لطيف بالنسبة إلى الأجرام، كثيف بالنسبة إلى الأرواح، فهو برزخ بين عالمي المجردات و الأجسام؛ لتجرده عن المواد، كالمجردات، و امتداده كامتداد الأجسام، غير قابل للفصل و الوصل، مثل قبول هذه الأجسام.
و قال: هذه العبارات واحد، سمي بالعالم المثالي؛ لكون أول مثال صوري لما في الحضرة العلمية الإلهية من صور الأعيان و الحقائق، و لكونه مشتملا على صور ما في العالم الجسماني من عرش و كرسي و سماوات و أرضين، و ما في جميعها من الأملاك و غيرها، و ليس هناك معنى من المعاني الممكنة، و لا روح من الأرواح إلا و له صورة مثالية مطابقة لما هو عليه؛ إذ لكلّ منها نصيب من الاسم الظاهر، و كل ما له وجود في العالم الحسي هو في العالم المثالى دون العكس.
و لذلك قال أرباب الشهود: إن العالم الحسي بالنسبة للعالم المثالي كحلقة ملقاة في بيداء، لا نهاية لها، و الأصل في وجوده الكتاب و السّنة و الكشف الصحيح.
أما الكتاب: فقوله تعالى: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: ١٧].
و أما السّنة: فأحاديث كثيرة، منها قوله في حديث بدء الوحي في البخاري و غيره: