أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٣٣ - النور الثالث و هو نور الإدراك
«و أحيانا يتمثّل لى الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول [١]».
و استدلّ البيهقي لذلك بما أخرجه الشيخان عن عائشة أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللّه، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم): «أحيانا يأتني مثل صلصلة الجرس و هو أشدّه عليّ، فيفصم عنّى و قد وعيت عنه ما قال، و أحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول».
قالت عائشة رضي اللّه عنها: و لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و إنّ جبينه ليتفصد عرقا [٢].
فهذا الحديث و نحوه صريح في أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان ينتقل من حالته المعروفة إلى حالة تستلزم الاستغراق و الغيبة عن الحالة الدنيوية، حتى ينتهي الوحي و يفارقه الملك.
قال السراج بن البلقيني: هي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخيّ يحصل له عند تلقّي الوحي، و لما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خصّ اللّه نبيه ببرزخ في الحياة يلقي اللّه فيه وحيه، المشتمل على كثير من الأسرار، و قد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره، اطّلاع على كثير من الأسرار، و ذلك مستمدّ من المقام النبوي، و يشهد له حديث: «رؤيا المؤمن جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة [٣]» انتهى.
و يشهد له حديث مجيء الملك بسورة (اقرأ) حيث قال: «فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد [٤]»: أي بلغ الغط مني غاية و سعي.
و منه الغط في الماء، و كأنه أراد ضمني و عصرني، أخرجه الشيخان.
[١] رواه البخاري (٣٠٤٣)، و مسلم (٢٣٣٣)، و الترمذي (٣٦٣٤)، و النسائي (٢/ ١٤٧)، و مالك في الموطأ (١/ ٢٠٢)، و أحمد في المسند (٦/ ١٥٨).
[٢] رواه البخاري (١/ ٢).
[٣] رواه البخاري (٩/ ٣٨)، و مسلم (٧/ ٥٢)، و أبو داود (٤/ ٤١٦) و الترمذي (٩/ ١٢٣).
[٤] رواه البخاري (١/ ٢٢)، و مسلم (١/ ٩٧).