أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١١٤ - النور الثالث و هو نور الإدراك
و في المواهب اللدنية من خصائصه (عليه السّلام) أنه كان يبلغ صوته و سمعه ما لا يبلغه صوت غيره و لا سمعه، قال شارحها: فقد كان يخطب فتسمعه الهواتف في البيوت، و يسمع أطيط كما السماء مر بسط ذلك في شمائله انتهى.
و انظر إلى ما أخرجه البيهقي و أبو نعيم عن عائشة أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جلس يوم الجمعة على المنبر، فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد اللّه بن رواحة، و هو في بني علم، فجلس في مكانه و فيه معجزة و كرامة، و كأنه فهم أن الخطاب عام في حق من بلغه الصوت، و لو كان خارجا عن المسجد النبوي، و لو بعيدا منه، و لذلك جلس امتثالا و أدبا، و كأن القرينة على ذلك بلوغ الصوت له بطريق المعجزة الخارقة للعادة، و إن لم يظهر لجلوسه هو في مكانه فائدة، فقد تكون موجودة و لا يطلع عليها؛ إذ قد تخفى في بعض الأوامر و النواهي، و لذلك يحكم الفقهاء على ما خفيت فيه بأنه تعبدي، و اللّه أعلم.
و انظر أيضا إلى ما ورد من قول سيدنا عمر بن الخطاب أثناء خطبته يوم جمعة لسارية ابن زنيم الدؤلي، و كان قد أمره على جيش و سيره إلى فارس، و ذلك سنة ثلاث و عشرين من الهجرة، فرآهم من المدينة و هو يخطب، و قد جعل العدو عليهم كمينا على يسار الجبل:
يا سارية الجبل، الجبل، يعني خذ طريق الجبل و احذر كمين العدو، و رفع صوته فألقى اللّه ذلك في أسماع سارية و أصحابه، و كانوا بنهاوند بلد بأقصى العراق جنوبي همدان، بينها و بين المدينة أكثر من مسيرة شهر، فعدلوا إلى الجبل، ففتح اللّه عليهم و هي قضية مشهورة، أخرجها الواقدي و سيف في الفتوح، و البيهقي في الدلائل، و اللالكائي في شرح السّنة، و ابن الأعرابي في كرامات الأولياء، و ابن مردويه، و غيرهم.
راجع الإصابة في ترجمة سارية المذكور.
و في لطائف المنن: إن القطب الحلبي الحافظ أفرد لطرقها جزءا.
قال بعضهم: و كان هذا في حياة سارية، فلما مات في مصر دفن أيضا في قلعة الجبل، فكأنه امتثل قول عمر بعد وفاته أيضا.
راجع الرحلة الكبرى لسيدي عبد الغني النابلسي.