أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٨١ - النور الثامن عشر و هو نور الأتباع
و الوسط: ما بين طرفي الشيء المالئ لكليته، و كانوا وسطا بما شهدوا من أمر اللّه مما بين الأزل و الأبد، فكانوا بذلك شهداء على خلق اللّه، و كان هو (صلى اللّه عليه و سلّم) شهيدا على هؤلاء الشهداء كما كان نبيّا للأنبياء؛ ليكون في الرتبة الثالثة علوّا من كل بداية، فيكون له أحمديّة الحمد الذي هو عليّ على المدح.
قال تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣].
و من الناس من لم يستخلصه الإيمان بالكلية، و بقي له توقين إلى عاجلة الدنيا حبّ شرفها و حبّ مالها كما هو حال الملوك و أتباعهم و رؤساء القبائل و أتباعهم، الذين حظهم منه التذكرة لأجل ذلك الحب للعاجلة كما قال تعالى: أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا [يونس: ٢].
فأمته الحمّادون للّه على كل حال، الذين لا يلعنون شيئا و لا يبرءون من خلق، بما شهدوا من حمد ربهم هم الشهداء كما قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «اللّعّانون لا يكونوا شهداء و لا شفعاء يوم القيامة [١]».
فالانتهاء في الافتراق إلى اللعن جرحة هذه الشهادة المحمديّة؛ لأنهم منه بما قيل له هو (صلى اللّه عليه و سلّم): «إن اللّه لم يبعثك سبّابا و لا لعّانا، و إنما بعثك رحمة و لم يبعثك عذابا [٢]».
و لذلك يقول ناطق العلم: إنه لا ينبغي لأهل النقل و الرواية أن يقولوا: لعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم) كذا في نقلهم بعد هذا التقرير، و لكن يكون لفظ النقل أن يقال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلّم):
لعن رسول اللّه كذا، ليقع الفرق بين أن يكون في اللعنة ناقلا أو منشئا؛ لأن اللّه عزّ و جلّ أسند اللعن في كتابه لما صرح به في قوله:
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: ١٦١] فكالذين انتظم في أنهم يلعنون، هم الذين يشهد عليهم، و هم الناس لا الذين يشهدون
[١] رواه إسحاق بن راهواه في مسنده (١/ ٢٦٤).
[٢] رواه أبو داود في المراسيل (١/ ١١٨)، و أحمد في المسند (٣/ ١٢٦).