أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٣٤ - النور الثالث و هو نور الإدراك
و حديث: «فأخذ بحلقي [١]»: أي ضمني و خنقني، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده بسند حسن.
و أما الكشف فأجمع العارفون باللّه على إثباته كشفا و شهودا خلافا لمن أنكره مستدلا على إنكاره بطريق النظر و العقل، ثم هو عند من أثبته قسمان: قسم يشترط في إدراكه القوة المتخيلة، المتصلة بنشأة الإنسان، فلا يدرك إلا بها، و يذهب بذهابها، و يسمّى مثالا مقيّدا، و مثالا متصلا، و هو نوعان: نوع مقيد بالنوع، و نوع غير مقيّد به، و لكنه مشروط بحصول غيبة و فتور ما في الحس، كما في الواقعات المشهورات للصوفية، و أول ما يراه الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من الوحي إنما هو الصور المثالية المرئية في النوم و الخيال، ثم يترقون إلى رؤية الملك في المثال المطلق أو المقيد في غير حال النوم، لكن مع فتور في الحس.
و قسم لا يشترط فيه ذلك، أعني القوة المتخيلة، فيحصل بدونها، و لا يذهب بذهابها، و يسمّى مثالا مطلقا، و مثالا منفصلا، و هو حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني و الصور، فتجدها بخاصيتها لا يكون غير ذلك.
و من هذا القسم الثاني و هو المطلق الصور المرئية في المرايا و نحوها من الأجسام الصقيلة، و تشكل الملك كجبريل (عليه السّلام) بمثل صورة دحية الكلبي أو غيره، و الأنبياء و الأولياء بمثل أشكالهم العنصرية، و تصور الأعمال الصالحة بصور حسنة جميلة، و السيئة بصور ظلمانية قبيحة، و الأنبياء و الكمّل أكثر ما يرون الأشياء و يشاهدونها في حضرة المثال المطلق، و كل ما يرى فيها لا بدّ أن يكون حقّا مطابقا للواقع: أي للصورة الخارجية من غير اختلال، و من ثم لا يحتاج فيها إلى تعبير بخلاف حضرة المثال المقيد، فشأنها أن يعبر عن الصورة الممثلة فيها إلى المعاني المقصودة منها، فمن ثم تحتاج إلى التعبير في الغالب، و هو الجواز من صورة ما رأى إلى أمر آخر، و هو المعنى المراد بها.
[١] رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص ٢١٥، ٢١٦).