أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٠٩ - النوع العاشر طاعة الأشياء لهم
قال: فذهبت، و فعلت ما أمرني به فمرّ بي منهم صور مزعجة المنظر، و لا يقدر أحد منهم أن يدنو من الدائرة التي أنا فيها و ما زالوا يمرون زمرا زمرا إلى أن جاء ملكهم راكبا فرسا و بيّن يديه، فوقف بإزاء الدائرة.
و قال: يا أنس، ما حاجتك؟ قلت: قد بعثني الشيخ عبد القادر إليك، فنزل عن فرسه، و قبّل الأرض، و جلس خارج الدائرة، و جلس من معه و قال: ما شأنك؟ فذكرت قصة ابنتي، فقال لمن معه: من فعل هذا؟ فلم يعلموا من فعله، فأتي بمارد و هي معه، و قيل له: هذا من مردة الصين. فقال له: ما حملك على أن اختطفت من تحت ركاب القطب.
قال: إنها وقعت في نفسي. فأمر به، فضرب عنقه، و أعطاني ابنتي، فقلت له: ما رأين كالليلة في امتثالك أمر الشيخ عبد القادر. قال: نعم، إنه لينظر من داره إلى الزمرة منّا و هم بأقصى الأرض فيفرون من هيبته إلى مساكنهم، و إن اللّه تعالى إذا أقام قطبا مكنّه من الجن و الإنس.
قال الإمام اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: لا شكّ أن الكرامات قد ظهرت في زمن الصحابة و كثرت، و لكن ظهورها فيما بعد أكثر، ثم أن كثيرا من المنكرين لكرامات الأولياء و الصالحين لو رأوهم يطيرون في الهواء لقالوا: هذا سحر، و قالوا: هؤلاء شياطين، و لا شكّ أن من حرم التوفيق فكذّب بالحقّ غيبا و حدسا كذّب به عيانا و حسّا، كما قال اللّه تعالى و هو أصدق القائلين مخاطبا لنبيه سيد المرسلين: وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأنعام: ٧] الآية.
فإن قيل: إن هذه الكرامات تشبه السحر؛ فإن سماع الإنسان الهواتف في الهواء و سماع النداء من بطنه وطي الأرض له و قلب الأعيان و نحو ذلك غير معهود في الحس أنه صحيح، إنما يظهر ذلك من أهل السيمياء و النار نجيّات.
فالجواب: ما أجاب به المشايخ العارفون و العلماء المحققون في الفرق بين الكرامة و السحر أن السحر يظهر على يد الفسّاق و الزنادقة و الكفّار الذين هم على غير شريعة و متابعة، و أما الأولياء فإنما وصلوا إلى ذلك بكثرة اجتهادهم و اتباعهم السنّة حتى بلغوا فيها الدرجة العليا فافترقا، و ليس العجب ممن ينكر الكرامات من المعتزلة؛ فليس ذلك