أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ٢٤٣ - النور الرابع و العشرون و هو نور الإحاطة
و من تعليقاته جوابه عن مقالة الأستاذ محمد البكري أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان يعلم جميع علم اللّه تعالى، و قد سئل عنها في مجلس درس فأجاب بأن مقالة الشيخ هذه صحيحة، و لا إنكار عليه فيها؛ إذ يجوز أن اللّه تعالى يفهمه علمه و يطلعه عليه، و لا يلزم من ذلك أن يدرك سيدنا محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) مقام الربوبية؛ إذ العلم المذكور ثابت للّه تعالى، و اصطفى بتعليم اللّه تعالى إياه، و إلى مثل ذلك أشار البوصيري بقوله [١]:
فإن من جودك الدنيا و ضرتها* * * و من علومك علم اللوح و القلم
و في الحديث: «قال لي ربي ليلة الإسراء: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: لا أدري فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها في ثديي، فعلمت علم الأولين و الآخرين، ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: في الوضوء على المكاره ... [٢]» إلى آخر الحديث، انتهى منها بلفظها.
و في شرح صلاة أبي الفتيان سيدي أحمد البدوي للعارف باللّه تعالى سيدي عبد الرحمن العيدروس لدى قوله فيها: و خزائن العلوم الاصطفائية بعد كلام له ما نصه: لطيفة:
وقفت بعد كتابتي هذه التعليقة في كلام أبيض الوجه البكري تحت قوله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فتجلّى لي كل شيء و عرفته ما حاصله أنه يمكن أن يكون ذلك التجلي ما هو الآن واقع بل وقع، ثم ألقى اللّه سبحانه عليه أستار العزة الإلهية، و أذهب بقاء ذلك منتقشا بصورته في لوح القوة الذاكرة النبوية أمامه لنواميس الربوبية، و إرجاعا إلى منازل العبودية، فيكون الكشف الأول لتكرمته (صلى اللّه عليه و سلّم)، و الحجب بعد ذلك لما قررناه الآن، على أنما أشرنا لعدم بقائه في الذاكرة فقط انتهى الغرض منه.
و قد ذاكرني بعض الأصحاب في أنه يلزم أن يساوي علمه (صلى اللّه عليه و سلّم) علم اللّه تعالى إذا قلنا:
إنه يعلم كل شيء. فأجبته بأنه لا يلزم شيء من ذلك؛ لأن ذلك للّه تعالى بالأصالة، و له (صلى اللّه عليه و سلّم) بالتبعية، و كذا من علم شيئا و أحاط به، فإنه بإعلام اللّه تعالى و تحويطه، فأعجبه هذا الجواب انتهى منه بلفظه.
[١] انظره في (ص ١٣٩)، الفصل العاشر في المناجاة.
[٢] رواه الترمذي (٥/ ٣٦٦).