أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١١١ - النور الثالث و هو نور الإدراك
في العالمين منه، و من أياديه و أفضاله.
و أخرج الطيالسي و ابن أبي شيبة و أحمد و الحميدي و البخاري في مواضع منها علامات النبوة، و مسلم في الفتن، و العدني، و ابن حماد في الفتن، و أبو عوانة، و الحاكم في المستدرك، عن أسامة بن زيد، قال: أشرف النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على أطم من آطام المدينة فقال: «هل ترون ما أرى إنّي لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر [١]»
و في رواية: «إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كموقع القطر».
و في أخرى: «إني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم مواقع القطر [٢]».
فائدة: يجوز رؤية الشيء و سماعه قبل وجوده للأنبياء و الأولياء.
قلت: و بهذا الحديث و نحوه استدلّ الصوفية على جواز، بل وقوع رؤية الشيء و سماعه قبل وجوده للأنبياء و الأولياء، بناء على ما هو المتبادر من هذا الحديث أنها رؤية بصرية، و قضايا الأولياء في رؤيتهم بل و سماعهم للأشياء قبل وجودها لا تنحصر كثرة، و من ثم أطبقوا على رؤيته تعالى، و سمعه للمعدوم الممكن الذي علم أنه سيوجد مخالفين في ذلك للمتكلمين في قولهم: إن السمع و البصر إنما يتعلقان بالموجودات، و المراد بها كل ما له تحقق في الخارج فقط، و لا يتعلقان بالمعدوم ممكنا كان أو مستحيلا.
و من أدلّة الصوفية في هذا قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَ تَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١].
فإن قولها إنما كان فيما لا يزال، و تعلق سمعه و بصره إنما هو في الأزل.
و قد قال العلّامة ابن زكري في بعض تقاييده التي قيّدها على الصغرى للسنوسي:
ما قاله الصوفية هو المتعين؛ لأن تعلقهما تعلق انكشاف، فيلزم على تخصيصه بالموجود حال وجوده بعده في الأزل انتهى.
[١] رواه البخاري (١٧٧٩) و مسلم (٢٨٨٥).
[٢] رواه البخاري (٣/ ١٣١٧).