أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٠٧ - النور الثالث و هو نور الإدراك
و قيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما، لا يحجبهما أيضا ثوب و لا غيره، قاله مختار بن محمود الحنفي الزاهدي شارح القدوري من الحنفية.
و رده أبو الفضل قاسم بن سعيد العقباني قائلا هذا مع ما وصف به من كمال الخلقة يشين، و لو أن إنسانا كانت له عينان في قفاه لكان أقبح شيء، و خيال غيره هو قول مرغوب عنه بل ساقط، و نازع بعضهم فيه، و في القولين قبله بأنها تحتاج لتوقيف من الشارع.
و رواية: (من قفايا) ليست نصّا في المراد.
و قيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فترى أمثلتهم فيها فيشاهد أفعالهم، ورد بأنه يحتاج أيضا إلى توقيف، و ظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة.
و يؤيّده ما أخرجه الحميدي في مسنده، و ابن المنذر في تفسيره، و البيهقي عن مجاهد في قوله تعالى: وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩]، قال: كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من أمامه [١].
و يحتمل أن يكون ذلك واقعا في جميع أحواله (صلى اللّه عليه و سلّم) و هو الظاهر، و مذهب أهل الباطن، و محققي أهل الباطن، و نقل عن مجاهد أيضا و عن جمع من المتقدمين، و عللوه بأنه إنما كان يبصر من خلفه؛ لأنه كان يرى من كل جهة؛ لأنه كان كله نورا، و قد ثبت مثله لكثير من خواص أمته، و ما ذاك إلا بما أمدّهم اللّه به من نور مشكاته المفاض عليهم.
و في الفتوحات في الباب التاسع و الستين في معرفة أسرار الصلاة و عمومها ما نصه:
اعلم أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كله وجه بلا قفا، فإنه قال (صلى اللّه عليه و سلّم): «إني أراكم من خلف ظهري»، فأثبت الرؤية لحاله و مقامه، فثبتت الوجهية له، و ذكر الخلف و الظهر لبشريته (صلى اللّه عليه و سلّم)، فإنهم ما
[١] رواه الخلال في السنة (١/ ٩٩)، و ابن حبان (١٤/ ٢٥٠)، و انظر: تفسير الطبري (١٩/ ١٢٤)، و القرطبي (١٣/ ١٤٤)، و ابن كثير (٣/ ٣٥٣).