أنوار النبي(ص) أسرارها و أنواعها - المرسي، عبد الحق بن سبعين - الصفحة ١٩٤ - و أمّا النقل
شرابا حتى يفرّج اللّه تعالى عن المسلمين، ثم اعتزل عن الطعام، ثم جلس ساعة فسمعته يقول: الحمد للّه، ثم دنا إلى الطعام، و قال: كل. فأكلت معه و عجبت منه كيف تركه ثم عاد إليه بعد قسمه في ساعة! ثم أن الخبر وصل إلينا بعد ذلك أن الوقت الذي تكلم فيه الشيخ صادف أن النصارى سمعوا رجفة عظيمة اعتقدوا أن معسكر المسلمين دهمهم، فركبوا خيولهم، و نجوا بأنفسهم، و تركوا الغنيمة و الأسارى، فخلّص اللّه المسلمين.
و قال الشيخ أبو زيد القرطبي: سمعت في بعض الآثار أن من قال: لا إله إلا اللّه سبعين مرة كانت فداؤه من النار، فعملت ذلك لبركة الوعد، و علّمت منها لأهلي، و عملت منها أعمالا ادخرتها لنفسي، و كان إذ ذاك يبيت معنا شابّ يقال أنه يكاشف في بعض الأوقات بالجنّة و النّار، و كانت الجماعة ترى له فضلا على صغر سنه، و كان في قلبي منه شيء، فاتفق أنه استدعانا بعض الأخوان إلى منزله فنحن نتناول الطعام و الشاب معنا؛ إذ صاح صيحة منكرة، و اجتمع في نفسه و هو يقول: يا عمّ، هذه أمي في النار و هو يصيح بصياح عظيم لا يشكّ من سمعه أنه عن أمر، فلمّا رأيت ما به من الانزعاج قلت في نفسي: اليوم أجري صدقه، فقلت في نفسي: إن كان الأثر حقّا.
و الذين رووه لنا صادقون أن السبعين ألفا فداء هذه الامرأة أمّ هذا الشاب فما استتممت الخاطر في نفسي إلى أن قال: يا عمّ، ها هي أخرجت الحمد للّه الحمد للّه.
فحصلت لي فائدتين: إيماني بصدق الأثر، و سلامتي من الشاب، و علمي بصدقه.
و ذكر الشيخ شهاب الدين في كتابه «العوارف»:
إن الشيخ عبد القادر الكيلاني بعث إلى شخص، و قال لفلان: عندك طعام و ذهب، ائتني من الذهب بكذا، و من الطعام بكذا. فقال الرجل: كيف أتصرف فى وديعة عندي و لو أستفتيك ما أفتيتني في التصرف. فألزمه الشيخ بذلك، فأحسن الظن بالشيخ، و جاء إليه بالذي طلب، فلمّا وقع التصرف منه جاءه مكتوب من صاحب الوديعة و هو غائب في بعض نواحي العراق أن حمل إلى الشيخ عبد القادر كذا و كذا القدر الذي عيّنه الشيخ عبد القادر، فعاتبه الشيخ بعد ذاك على توقّفه، و قال: ظننت بالفقراء أن إشارتهم تكون على غير صحة و علم.