الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٧٠ - ذكر زهده
الدنيا و لم ترده، و كذلك مضى أبو بكر على أثره، و قد فتح اللّه عليك كنوز كسرى و قيصر و ديارهما و حمل إليك أموالهما و ذلك طرفا المشرق و المغرب، و نرجو من اللّه تعالى المزيد و رسل العجم يأتونك و وفود العرب يردون إليك و عليك هذه الجبة قد رقعتها اثنتي عشرة رقعة، فلو غيرتها بثوب لين يهاب فيه منظرك و يغدى عليك بحفنة من طعام و يراح عليك بأخرى تأكل أنت و من حضرك من المهاجرين و الأنصار فبكى عمر عند ذلك بكاء شديدا ثم قال: سألتك باللّه هل تعلمين أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) شبع من خبز بر عشرة أيام أو خمسة أو ثلاثة أو جمع بين عشاء و غداء حتى ألحق باللّه؟ قالت لا، قال: أنشدك باللّه هل تعلمين أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قرب إليه على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض و يأمر بالمائدة فترفع قالت اللهم نعم، ثم قال لهما: أنتما زوجتا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أمهات المؤمنين و لكما على المؤمنين حق و عليّ خاصة، و لكن أتيتماني ترغبانني في الدنيا، و إني لأعلم أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لبس جبة من صوف فربما حك جسمه من خشونتها، أ تعلمان ذلك؟ قالتا نعم، قال فهل تعلمان أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يرقد على عباءة على طاق واحد و كان مسح في بيتك يا عائشة يكون بالنهار بساطا، و بالليل فراشا ينام عليه و يرى أثر الحصير في جنبه، ألا يا حفصة أنت حدثتني أنك تثنيت المسح له ليلة فوجدها لينة فرقد عليه فلم يستيقظ إلا بأذان بلال، فقال لك يا حفصة: ما ذا صنعت ثنيت المهاد حتى ذهب بي النوم إلى الصباح، ما لي و ما للدنيا و ما للدنيا و ما لي، شغلتموني بلين الفراش، يا حفصة: أ ما تعلمين أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و لم يزل جائعا ساهرا راكعا ساجدا باكيا متضرعا آناء الليل و النهار إلى أن قبضه اللّه تعالى إلى رحمته و رضوانه؟ لا أكل عمر طيبا، و لا لبس لينا أسوة بصاحبيه و لا جمع بين أدمين إلا الماء و الزيت و لا أكل لحما إلا في كل شهر، فخرجنا من عنده فأخبرنا أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلم يزل