الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٦ - ذكر شدته في دين اللّه و غلظته على من عصى اللّه
فدخل عليه و قال: كل يا بني فيوشك أن يكون آخر زادك.
قال ابن عباس: فلقد رأيت الغلام و قد تغير لونه و ارتعد و سقطت اللقمة من يده، فقال له عمر: يا بني من أنا قال أنت أبي و أمير المؤمنين، قال فلي حق طاعة أم لا؟ قال لك طاعتان مفترضتان: لأنك والدي و أمير المؤمنين، قال عمر: بحق نبيك و بحق أبيك هل كنت ضيفا لنسيكة اليهودي فشربت الخمر عنده فسكرت؟ قال لقد كان ذلك، و قد ثبت أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: (رأس مال المؤمن التوبة). قال يا بني:
أنشدك اللّه!! هل دخلت حائط بني النجار فرأيت امرأة فواقعتها؟
فسكت و بكى، قال عمر: يا بني اصدق فإن اللّه يحب الصادقين قال:
قد كان ذلك و أنا تائب نادم، فلما سمع منه عمر قبض على يده و لببه و جره إلى المسجد فقال يا أبت لافتضحني و خذ السيف و اقطعني إربا إربا، قال: أ ما سمعت قوله تعالى: وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [١] ثم خرجه و أخرجه إلى بين يدي الصحابة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المسجد و قال: صدقت المرأة و أقر أبو شحمة بما قالت، و كان له مملوك يقال له أفلح، فقال: يا أفلح خذ ابني هذا إليك و اضربه مائة سوط و لا تقصر في ضربه، فقال لا أفعل و بكى، فقال: يا غلام إن طاعتي طاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) فافعل ما آمرك به، قال فنزع ثيابه و ضج الناس بالبكاء و النحيب و جعل الغلام يشير إلى أبيه يا أبت ارحمني، فقال له عمر: و هو يبكي ربك يرحمك، و إنما أفعل هذا كي يرحمك و يرحمني، ثم قال: يا أفلح اضرب فضربه و هو يستغيث و عمر يقول: اضربه حتى بلغ سبعين فقال يا أبت اسقني شربة من ماء، فقال: يا بني إن كان ربك يطهرك فيسقيك محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) شربة لا تظمأ بعدها أبدا، يا غلام اضربه فضربه حتى بلغ ثمانين فقال يا أبت السلام عليك، فقال: و عليك
[١] سورة النور الآية ٢.