الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٨٨ - ذكر شفقته على رعيته و تفقد أحوالهم و إنصافه لهم و نصحه إياهم
سطوته و يحذرون عقوبته، و أما البلد الفلاني فإنهم قد جمعوا في الأموال ما لا تحمله السفن و هم موجهون بها إليك، و أما البلد الفلاني فقد وجدنا بها عابدا في زاوية من زوايا المسجد ساجدا يقول في سجوده: «اللهم اغفر لأمير المؤمنين عمر زلته و ارفع درجته» فيقول عمر: أما من خافني فلو أريد بعمر خير لما أخيف منه، و أما الأموال فلبيت مال المسلمين ليس لعمر و لا لآل عمر فيها شيء، و أما الدعاء الذي سمعتم بظهر الغيب فإنه ما أرجو أن يعيد اللّه من بركات الصالحين و دعواتهم عليّ فيغفر لي.
و عن عروة بن رويم قال: بينما عمر بن الخطاب يتصفح الناس يسألهم عن أمراء أجنادهم إذ مر بأهل حمص فقال: كيف أنتم و كيف أميركم؟ قالوا خير أمير يا أمير المؤمنين إلا أنه قد بنى علية يكون فيها فكتب كتابا و أرسل بريدا و أمره إذا جئت باب عليته فاجمع حطبا و أحرق باب عليته، فلما قدم جمع حطبا و أحرق باب العلية، فدخل عليه الناس و ذكروا أن هاهنا رجلا يحرق باب عليتك فقال: دعوه فإنه رسول أمير المؤمنين، ثم دخل عليه فناوله الكتاب فلم يضع الكتاب من يده حتى ركب، فلما رآه عمر قال احبسوه عني في الشمس ثلاثة أيام، فحبس عنه ثلاثا حتى إذا كان بعد ثلاث قال يا ابن قرط الحقني إلى الحرة- و فيها إبل الصدقة و غنمها- حتى إذا جاء الحرة ألقى عليه نمرة و قال: انزع ثيابك و اتزر بهذه ثم ناوله الدلو فقال: اسق هذه الإبل فلم يفرغ حتى لغب، فقال: يا بن قرط متى كان عهدك بهذا؟ قال مليا يا أمير المؤمنين، قال:
فلهذا بنيت العلية و أشرفت بها على المسلمين و الأرملة و اليتيم، ارجع إلى عملك و لا تعد. لغب: أي تعب، و منه: «و ما مسنا من لغوب»- مليا: أي زمانا و حينا.
و عن إبراهيم أن عمر كان إذا بلغه عن عامله أنه لا يعود المريض و لا يدخل عليه الضعيف نزعه، خرجهما سعيد بن منصور في سننه.