الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣١٥ - الفصل التاسع في ذكر نبذة من فضائله رضي اللّه تعالى عنه
و القضم الأكل بأطراف الأسنان، تقول قضمت الدابة شعيرها بالكسر تقضمه قضما، و الخصم الأكل بجميع الفم فكأنه أشار إلى الاكتفاء بالقليل الذي لا بد للحيوان منه و لا يتعداه، قال ابن شهاب و غيره من أهل العلم: أول ما ابتدأ به عمر من أمره حين جلس على المنبر أنه جلس حيث كان أبو بكر يضع قدميه و هو أول درجة و وضع قدميه على الأرض، فقالوا: لو جلست حيث كان أبو بكر يجلس، قال حسبي أن يكون مجلسي حيث كانت تكون قدما أبي بكر، قالوا: وهاب الناس عمر هيبة عظيمة حتى ترك الناس المجالس بالأفنية قالوا ننتظر ما رأى عمر، و قالوا: بلغ من أبي بكر أن الصبيان كانوا إذا رأوه يسعون إليه و يقولون:
يا أبت فيمسح رءوسهم، و بلغ من هيبة عمر أن الرجال تفرقوا من المجالس هيبة حتى ينتظروا ما يكون من أمره، قالوا: فلما بلغ عمر أن الناس أهابوه فصيح في الناس «الصلاة جامعة» فحضروا ثم جلس من المنبر حيث كان أبو بكر يضع قدميه، فلما اجتمعوا قام قائما فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله و صلى على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم قال: بلغني أن الناس قد هابوا شدتي و خافوا غلظتي و قالوا قد كان عمر يشتد علينا و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أظهرنا، ثم اشتد علينا و أبو بكر و إلينا دونه فكيف إذا صارت الأمور إليه؟ و من قال ذلك فقد صدق، قد كنت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فكنت عبده و خادمه، و كان ممن لا يبلغ أحد صفته من اللين و الرحمة و قد سماه اللّه بذلك و وهب له اسمين من أسمائه: «رؤف رحيم» فكنت سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، حتى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو عني راض و الحمد للّه و أنا أسعد بذلك، ثم ولي أمر المسلمين أبو بكر فكان ممن لا ينكرون دعته و كرمه و لينه، فكنت خادمه و عونه، أخلط شدتي بلينه فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبض و هو عني راض و الحمد للّه و أنا أسعد بذلك، ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس و اعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت و لكنها