الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٤٠٣ - ذكر وصف علي له بما يتأهل معه للخلافة و تصويب أبي بكر في العهد إليه
اللين، يأتي على الأمور لا يتجاوز منها شيئا معتدلا لا عدوان فيه و لا تقصير، مقتصد لما هو آت- و هو عمر بن الخطاب.
و عن أنه قال في خطبة طويلة: إن اللّه تعالى صير الأمر إلى عمر في المسلمين فمنهم من رضي و منهم من سخط، فكنت ممن رضي، فو اللّه ما فارق الدنيا حتى رضي به من سخطه، فأعز اللّه بإسلامه الإسلام و جعل هجرته للدين قواما، و ضرب الحق على لسانه حتى ظننا أن ملكا ينطق على لسانه، و قذف اللّه في قلوب المؤمنين الحب له و في قلوب المنافقين الرهبة منه- شبهه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بجبريل فظا غليظا، و بنوح حنقا مغتاظا فمن لكم بمثله.
و قد تقدم معنى الجميع و بعض ألفاظه في باب أبي بكر و عمر.
و عنه قال: المتفرسون في الناس أربعة، امرأتان و رجلان: فالمرأة الأولى صفيراء بنت شعيب لما تفرست في موسى فقالت: «يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين» و الرجل الأول الملك العزيز تفرس في يوسف- و كانوا فيه من الزاهدين- فقال لامرأته: (أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا) و المرأة الثانية خديجة: تفرست في النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) النبوة فقالت لعمها: قد شمت روحي روح محمد أنه نبي هذه الأمة فزوجني منه. و الرجل الثاني: أبو بكر الصديق لما حضرته الوفاة قال: إني قد تفرست أن أجعل الأمر من بعدي في عمر بن الخطاب فقلت له: إن تجعلها في عمر فإني راض، فقال سررتني، و اللّه لأسرنك بما سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فقلت: و ما سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟
فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (إن على الصراط عقبة لا يجوزها أحد إلا بجواز من علي بن أبي طالب). فقلت: أ فلا أسرك في نفسك و في عمر بما سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ قال بلى، قلت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: (هذان سيدا كهول أهل الجنة).