الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٨٧ - ذكر شفقته على رعيته و تفقد أحوالهم و إنصافه لهم و نصحه إياهم
بعده؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: فأين كانوا من أبيض بني أمية- يريد عثمان بن عفان- فإنه كان ألين جانبا و أقرب، ثم قال: ان كانت صداقة أبي بكر لعمر لمسلمة إلى خير، أ فيكم هو؟ قالوا: هو الذي منذ اليوم يكلمك، قال: أغثني فإني لم أجد مغيثا، قال: و من أنت بلغك الغوث؟ قال: أنا أبو عقيل أحد بني مليك، لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعاني إلى الإسلام فآمنت به و صدقت بما جاء به، فسقاني شربة سويق شرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أولها و شربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت و ريها إذا عطشت و بردها إذا سخنت ثم يممت في رأس الأبيض أنا و قطعة غنم، أصلي في يومي و ليلتي خمس صلوات و أصوم شهرا هو رمضان و أذبح شاة بعشر ذي الحجة أنسك بها حتى إذا أتت علينا السنة فما أبقت لنا منها غير شاة واحدة ننتفع بدرها فأكلها الذئب البارحة الأولى فأدركنا زكاتها و أكلناها و بلغناك فأغث أغاثك اللّه، قال عمر: بلغك الغوث بلغك الغوث، أدركني على الماء، قال الراوي: فنزلنا المنزل و أصبنا من فضل أزوادنا فكأني أنظر إلى عمر متقنعا على قارعة الطريق، آخذا بزمام ناقته لم يطعم طعاما ينتظر الشيخ و يرمقه، فلما رحل الناس دعا عمر صاحب الماء فوصف له الشيخ و قال: إذا أتى عليك فأنفق عليه و على عياله حتى أعود إليك إن شاء اللّه تعالى. قال: فقضينا حجنا و انصرفنا، فلما نزلنا المنزل دعا عمر صاحب الماء فقال: هل أحسنت إلى الشيخ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، أتاني و هو موعدك فمرض عندي ثلاثا و مات فدفنته و هذا قبره، فكأني أنظر إلى عمر و قد وثب مباعدا ما بين خطاه حتى وقف على القبر فصلّى عليه ثم اعتنقه و بكى، ثم قال: كره اللّه له صلتكم و اختار له ما عنده، ثم أمر بأهله فحملوا فلم يزل ينفق عليهم حتى قبض رضي اللّه عنه.
و روي عنه أنه كان إذا جاءه وفد من الأقطار استخبرهم عن أحوال الناس فيقولون: أما البلد الفلاني فإنهم يرهبون أمير المؤمنين و يخافون