الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٤٨ - ذكر شدته في دين اللّه و غلظته على من عصى اللّه
فجلست على بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البيضاء فخرجت عليها حتى جئت لأراك فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة فيأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة قال: و اللّه إني لأسير عليها و ألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان بن حرب و بديل بن ورقاء يتراجعان، و أبو سفيان يقول ما رأيت كالليل نيرانا قط و لا عسكرا، قال فيقول بديل: هذه و اللّه خزاعة حمشتها الحرب، قال يقول أبو سفيان: خزاعة أقل و أذل من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها، قال فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة! فعرف صوتي فقال أبو الفضل، قال قلت نعم، قال ما لك؟ فداك أبي و أمي، قال قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الناس و اصباح قريش و اللّه، قال فما هذه الحيلة فداك أبي و أمي! قال قلت.
و اللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأستأمنه لك، قال فركب خلفي و رجع صاحبه، قال فجئت به فكلما مررت بنار من المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أنا عليها قالوا عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا و قام إليّ، رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو اللّه، الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و دخل عليه عمر فقال يا رسول اللّه هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عقد و لا عهد فدعني أضرب عنقه، قال قلت يا رسول اللّه إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أخذت برأسه فقلت و اللّه لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر، و اللّه لو كان من رجال بن عدي بن كعب ما قلت هذا و لكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال مهلا يا عباس فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت