الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٨ - ذكر شدته في دين اللّه و غلظته على من عصى اللّه
عشر سوطا فأغمي عليه ثم قال إذا وافيت ربك فقل ضربني الحد من ليس لك في جبينه حد، ثم قام عمر حتى أقام عليه تمام المائة سوط، فمات من ذلك فقال: أنا أوثر عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فقيل يا أمير المؤمنين ندفنه من غير غسل و لا كفن كمن قتل في سبيل اللّه؟ قال بل نغسله و نكفنه و ندفنه في مقابر المسلمين، فإنه لم يمت قتيلا في سبيل اللّه و إنما مات [١].
و عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة و كان من أكبر بني عدي و كان أبوه شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين و كان شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو خال ابن عمر و حفصة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال تقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، و إني إذا رأيت حدا من حدود اللّه حق عليّ أن أرفعه إليك، فقال له عمر من يشهد على ما تقول؟ فقال أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة فقال: علام تشهد يا أبا هريرة؟ فقال لم أره حين شرب، و قد رأيته سكرانا يقيء، فقال عمر: لقد تنطعت أبا [٢] هريرة في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة و هو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قدامة و الجارود بالمدينة كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب اللّه، فقال عمر: أ شهيد أنت أم خصم؟ فقال الجارود؟ أنا شهيد، فقال قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال لتعلمن أني أنشدك اللّه، فقال عمر: أما و اللّه لتملكن لسانك أو لأسوءنك، فقال الجارود: أما و اللّه ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك و تسوءني، فأوعده عمر.
فقال أبو هريرة و هو جالس: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند ينشدها
[١] بالحد: للتطهر من الذنب.
[٢] يا أبا هريرة.