الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٩٠ - ذكر شفقته على رعيته و تفقد أحوالهم و إنصافه لهم و نصحه إياهم
و عن أنس بن مالك بينما أمير المؤمنين عمر يعس ذات ليلة إذ مر بأعرابي جالس بفناء خيمة فجلس إليه يحدثه و يسأله و يقول له: ما أقدمك هذه البلاد؟ فبينما هو كذلك إذ سمع أنينا من الخيمة فقال: من هذا الذي أسمع أنينه؟ فقال: أمر ليس من شأنك، امرأة تمخض، فرجع عمر إلى منزله و قال: يا أم كلثوم شدي عليك ثيابك و اتبعيني، قال: ثم انطلق حتى انتهى إلى الرجل فقال له: هل لك أن تأذن لهذه المرأة أن تدخل عليها فتؤنسها، فأذن لها فدخلت فلم يلبث أن قالت يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام، فلما سمع قولها أمير المؤمنين وثب من حينه فجلس بين يديه و جعل يعتذر إليه فقال: لا عليك!! إذا أصبحت فائتنا فلما أصبح أتاه ففرض لابنه في الذرية و أعطاه. و عن ... أن عمر لما رجع من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليعرف أخبارهم فمر بعجوز في خباها فقصدها فقالت: يا هذا ما فعل عمر: قال: هو ذا قد أقبل من الشام، قالت: لا جزاه اللّه عني خيرا، قال: ويحك! و لم؟ قالت: لأنه و اللّه ما نالني من عطائه منذ ولي إلى يومنا هذا دينار و لا درهم، فقال:
ويحك ما يدري عمر حالك و أنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان اللّه ما ظننت أن أحدا يلي على الناس و لا يدري ما بين مشرقها و مغربها، قال: فأقبل عمر و هو يبكي و يقول: وا عمراه! وا خصوماه! كل واحد أفقه منك يا عمر، ثم قال لها: بكم تبيعيني ظلامتك منه فإني أرحمه من النار، قالت: لا تهزأ بنا يرحمك اللّه، قال لها عمر: ليس بهزء، فلم يزل بها حتى اشترى ظلامتها بخمسة و عشرين دينارا، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب و ابن مسعود فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين فوضعت المرأة يدها على رأسها و قالت: وا سوأتاه!! شتمت أمير المؤمنين في وجهه، فقال لها عمر: لا عليك يرحمك اللّه، قال: ثم طلب عمر قطعة جلد يكتب فيه فلم يجد فقطع قطعة من فروة كان لبسها و كتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ