الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٦٩ - ذكر زهده
الريح فأقبل علينا بوجهه و قال: يا معشر المهاجرين و الأنصار ليقتلن منكم الابن أباه و الأخ أخاه على هذا الطعام، ثم أمر به فحمل إلى أولاد من قتل من المسلمين بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المهاجرين و الأنصار، ثم إن عمر انصرف و لم يأخذ لنفسه شيئا. البزة- بالكسر الهيئة.
و عن ... [١] أنه لما فتح العراق و حملت إلى عمر خزائن كسرى قال له صاحب بيت المال ألا ندخله بيت المال؟ قال: لا و اللّه! و لا يأوي تحت سقف حتى أقسمه، فبسط الأنطاع في المسجد و كشفوا عن الأموال فرأى منظرا عظيما من الذهب و الجوهر فقال: إن الذي أدى هذا لأمين، قالوا أنت أمين اللّه و هم يؤدون إليك ما أديت إلى اللّه فإذا زغت زاغوا، فقسمه و لم يأخذ منه لنفسه شيئا- خرجه في فضائله.
و روي أن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اجتمعوا في المسجد زهاء خمسين رجلا من المهاجرين فقالوا: ما ترون إلى زهد هذا الرجل و إلى حليته و قد فتح اللّه على يديه ديار كسرى و قيصر و طرفي الشرق و الغرب، و وفود العرب و العجم يأتون فيرون عليه هذه الجبة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة فلو سألتموه معاشر أصحاب محمد أن يغير هذه الجبة بثوب لين فيهاب منظره، و يغدق عليه بحفنة من الطعام و يراح عليه بحفنة يأكلها من حضره من المهاجرين و الأنصار، فقال القوم بأجمعهم ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب فإنه صهره، فكلموه فقال: لست بفاعل ذلك و لكن عليكم بأزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه، فقال الأحنف بن قيس فسألوا عائشة و حفصة و كانتا مجتمعتين فقالت عائشة:
أسأله ذلك، و قالت حفصة: ما أراه يفعل و سيبين لك، فدخلتا عليه فقربهما و أدناهما. فقالت عائشة: أ تأذن لي أن أكلمك؟ قال تكلمي يا أم المؤمنين فقالت: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد مضى إلى جنة ربه و رضوانه لم يرد
[١] هكذا بالأصل.