الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٢٨ - ذكر كراماته و مكاشفاته
أين يدري هو؟ فقالت: فإن لم يعلم هو فإن رب أمير المؤمنين يرى ذلك، فلما أصبح عمر قال لابنه عاصم: اذهب إلى مكان كذا و كذا فإن هناك صبية فإن لم تكن مشغولة فتزوج بها لعل اللّه أن يرزقك منها نسمة مباركة، فتزوج عاصم بتلك البنية فولدت له أم عاصم بنت عمر، فتزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز رحمة اللّه عليه.
و لما دخل أبو مسلم الخولاني المدينة من اليمن و كان الأسود بن قيس الذي ادعى النبوة باليمن عرض عليه أن يشهد أنه رسول اللّه فأبى، فقال: أتشهد أن محمدا رسول اللّه؟ قال نعم! قال. فأمر بتأجيج نار عظيمة و ألقي فيها أبو مسلم فلم تضره، فأمر بنفيه من بلاده فقدم المدينة، فلما دخل من باب المسجد قال عمر: هذا صاحبكم الذي زعم الأسود الكذاب أنه يحرقه فنجاه اللّه منها، و لم يكن القوم و لا عمر سمعوا قضيته و لا رأوه، ثم قام إليه و اعتنقه و قال: أ لست عبد اللّه بن ثوب؟
قال بلى! فبكى عمر ثم قال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) شبها بإبراهيم الخليل (عليه السلام)، خرجهن في فضائله، و خرج معنى الأخير بلفظ أوعب من هذا أبو حاتم.
و روي عن عمر أنه أبصر أعرابيا نازلا من جبل فقال: هذا رجل مصاب بولده قد نظم فيه شعرا لو شاء لأسمعكم، ثم قال يا أعرابي من أين أقبلت؟ فقال: من أعلى هذا الجبل، و ما صنعت فيه؟ قال: أودعته وديعة لي، قال و ما وديعتك؟ قال بني لي هلك قذفته فيه، قال: فأسمعنا مرثيتك فيه. فقال و ما يدريك يا أمير المؤمنين؟ و اللّه ما تفوهت بذلك، و إنما حدثت به نفسي، ثم أنشد:
يا غائبا ما يئوب من سفره* * * عاجله موته على صغره
يا قرة العين كنت لي أنسا* * * في طول ليلي نعم و في قصره