المعهد الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - الفصل السادس العلماء ورثة الانبياء
قعوده: مالذي ألهاك عنها؟ قال (عليه السلام): ألهتني عنها النار الكبرى [١].
وبعد فان هذه هي الخشية والعبادة الحقيقيتان اللتان أشار أليها- تعالى- في قوله:
انما يخشى الله من عباده العلماء، فمن هم هؤلاء العلماء، وما هي صفاتهم؟
القرآن الكريم يذكر لنا هذه الصفات الواحدة بعد الاخرى، فالصفة الاولى هي تلاوة الكتاب: انّ الذين يتلون كتاب الله [٢] وهذا يعني ان علمهم مستلهم من القرآن؛ من هذا النبع الصافي، ثم انهم يتفاعلون مع هذا العلم، فيستوعبونه ليدخل كل انحاء وجودهم؛ انفسهم، وافكارهم، وعقولهم، ومشاعرهم، وعواطفهم، ولذلك لا يلبثون ان يخشعوا لله بمجرد ان يروا آية من آيات قدرته وعظمته.
ثم يذكر- تعالى- صفة اخرى هي صفة اقامة الصلاة في قوله: واقاموا الصلاة [٣]. فالانسان الذي يتلوا كتاب الله ويرى في هذا الكتاب آيات ربّه ونوره لا يملك الّا ان يخشع فتدفعه هذه الخشية الى اقامة الصلاة.
امّا الصفة الاخرى من صفات العلماء الذين يخشون اللّه حقّ خشيته فتتمثّل في الانفاق سراً وعلانية، اذ يقول ربنا سبحانه: وانفقوا ممّا رزقناهم سّراً وعلانية [٤].
فالانفاق في السّر فائدته تعويد الانسان على الاخلاص في النيّة، ولذلك فانّ الصدقة تطفىء غضب الربّ كما جاء في الحديث الشريف، فعليك ان تحرص في انفاق السر بحيث لا يراك احد.
وقد كان ائمّتنا المعصومون (ع) القدوات العليا في هذا النوع من الصدقة بالاضافة الى كونهم قدوات سامية في سائر الاخلاق الفاضلة، فكانوا اذا جنّ الليل، وخيّم ظلامه يتسلّلون من مضاجعهم، ويتنكرّون في ثيابهم، يحملون القربة من الماء، والجراب من الطعام ليذهبوا خفية الى بيوت الفقراء والمساكين
[١] - بحار الانوار ج ٦٤- ص ٨٠.
[٢] - فاطر/ ٢٩.
[٣] - فاطر/ ٢٩.
[٤] - فاطر/ ٢٩.