المعهد الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - المدخل
هناك عوامل شتى، ولكن أبرزها اثنان:
الأول: ان العقل الكبير يتطلب قلباً كبيراً، و أصحاب القلوب الصغيرة يفشلون في وعي الحقائق الكبيرة، ذلك ان القلب إذا اتسع تسامى فوق الحقائق، فبصر بها من المواقع العالية. انه قلب طموح متطلع هميم، ذو أجنحة واسعة، ترفرف هنا وهناك، يستشرف على كل سهل وجبل، يتسع لاستيعاب الحقائق جميعا، لا ينكر بعضها، ولا يرى تناقضاً بينها، لا يصطدم اذا سمع منها ما كان يجهله، ولا يشبع من كثرتها، ولايسأم من تنوعها، يقرب البعيد منها بنفاذ البصيرة، و يطلع من فوق حاجز الزمن، فالماضي عبرة، والمستقبل هدف، والحاضروسيلة.
وشوق الانسان الى العلم اشد من شوقه الى أية حاجة اخرى، ولكن اكثر الناس يدسون هذا الشوق الملتهب، في ركام اليأس والاحباط، وانما اولو الالباب، ذوو القلوب الكبيرة هم وحدهم الواثقون من قدرتهم على اقتناص طير المعرفة، ولو تحلق فوق القمم الشامخة، كلّا .. لا تكفي الحاجة سبباً للاختراع كما قالوا: (الحاجة أم الاختراع) فان للاختراع أباء أكرم من الحاجة، وهو التطلع والتحدي والّا فان الأغنام كن يخترعن الدروع قبل البشر، لأنهن بحاجه أشد إلى الدفاع أمام شراسة الانسان، وكما المخترعات الهامة، كذلك الاكتشاف و الابداع، لن يتم من دون الثقة و التحدي.
الثاني: أصحاب القلوب الكبيرة والأهداف البعيدة والبصائر المتحررة، إنهم يبلغون الحقائق الكبيرة التي هي بمثابة أشجار باسقة تتفرع منها سائر المعارف، إنهم يصلون إلى أصول العلم، والقواعد العامة فيه، والتي يسميها البعض بالحكمة العالية، والتي تهتم بها الفلسفة. أما حسب تعبير الكتاب والسنة: فهي السنن الالهية في الخليقة، وكذلك يسهل عليهم ربط الحقائق ببعضها في دائرة تلك السنن، كما يسهل عليهم انتزاع حكم الفروع من الأصول لوعيهم الشديد بها وبأبعادها.
وهكذا كانت الهمة العالية شرفاً عظيماً، لأنها تفرز سائر أسباب الشرف، ومن أبرزها العلم.
وفي المعاهد الدينية يسعى الفقهاء لبعث الطلبة نحو التطلعات السامية، لكي