بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٩٣
ومن أعجب العجب أن الجهال من المخالفين بل علماؤهم يعدون هذا الدفن من مناقبهما وفضائلهما ، بل يستدلون به على استحقاقهما للإمامة والخلافة.
وقد روى الشيخ المفيد قدس الله روحه في مجالسه [١] أن فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مر بأبي حنيفة وهو في جمع [٢] كثير يملي [٣] عليهم شيئا من فقهه وحديثه ـ ، فقال لصاحب كان معه : والله لا أبرح أو أخجل أبا حنيفة .. فدنا منه فسلم عليه ، فرد ورد القوم بأجمعهم السلام عليه ، فقال : يا أبا حنيفة رحمك الله! إن لي أخا يقول : إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب ( عليه
حتى هلك وكان سيد قومه!. انظر : سنن الدارمي : ١ ـ ٥٤ و ٥٥ ، وتاريخ ابن عساكر ٦ ـ ٣٨٤ ، وتفسير ابن كثير ٤ ـ ٢٣٢ ، والإتقان للسيوطي ٢ ـ ٥ ، وكنز العمال ١ ـ ٢٢٨ ، ٢٢٩ ، وفتح الباري ٨ ـ ١٧ ، وسيرة عمر لابن الجوزي : ١٠٩ ، وإحياء العلوم ١ ـ ٣٠ وغيرها.
وبعد نهيه عن القرآن تفسيرا ، والحديث رواية ، والسنة تدوينا ، منع عن الكتب والمؤلفات قراءة أو حفظا ، ونسخا وتدوينا. وقد جاء بطرق مختلفة ومضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها ، منها أنه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها ، وقد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس .. وقد عاقب آخر وضربه حتى قال : دعني ، فو الله لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا أحرقته ، فتركه!.
وقد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الإسكندرية ، وتلك قصة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطي ـ المتوفى سنة ٦٨٤ ه ـ صفحة : ١٨٠ ، وتاريخ التمدن الإسلامي لجرجي زيدان ٣ ـ ٤٠ و ٤٢ وغيرهما ، وقد ناقشها بعض المتأخرين منا بما لا حاصل فيه ، ولم نعقد حواشينا لتفصيلها ، وقد أسندها وفصل البحث فيها شيخنا الأميني في غديره ٦ ـ ٢٩٧ ـ ٣٠٢ ، فراجع.
ثم بعد هذا فقد حرم خليفتهم كل بحث وتحقيق ـ كما ذكره حجة إسلامهم الغزالي ـ يقول في إحياء العلوم : ١ ـ ٣٠ : و [ عمر ] هو الذي سد باب الكلام والجدل ، وضرب صبيغا بالدرة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب الله ، وهجره ، وأمر الناس بهجره!!.
فهل يبقى ـ والحال هذه ـ مبدأ لأصول التعليم والتعلم؟ ومن هنا قد حرمت الأمة الكثير الكثير ونزلت الحضيض الحضيض ببركة تلك الدرة وصاحبها.
[١]جاء في الفصول المختارة ٢ ـ ٤٤ ـ ٤٥ ، بتصرف واختصار.
[٢]في ( س ) : جميع.
[٣]في ( س ) : يمل.