آيات الأحكام - الأسترآبادي، محمد بن علي - الصفحة ٩٩ - سورة طه(٢٠) آية ١٣٢
ما يكفيك و أهلك؛ أو كلّ ما تحتاج اليه فيحتمل أن يكون المراد ترك التوجّه الى تحصيل الرزق و كسب المعيشة بالكلية؛ و يكون من خصائصه صلوات اللّه عليه و آله و لهذا قيل ففرّغ بالك لأمر الآخرة من العبادة و أداء الرسالة؛ و قد يفهم منه الأمر بكلّ ما أمر به، و الصبر على تكاليفه كلّها؛ و عدم جعل الرزق مانعا أصلا كما هو المناسب لشأن النبوّة و منزلة الرسالة.
و ينبّه عليه قوله تعالى «وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى» لدلالته على عدم الاعتداد بالدنيا لعدم العاقبة أو عدم عاقبة محمودة؛ و انحصار العاقبة أو المحمودة في التقوى الذي هو العمل بمقتضى أوامر اللّه و نواهيه تعالى؛ فمع كفاية الرزق في الدنيا لا وجه للتوجّه إليها و عدم التفرّغ للتقوى؛ إلّا أنّ الإنسان كالمجبول على هذا.
ثمّ لا يخفى أنّ اللازم حينئذ اختصاص وجوب الاصطبار أيضا لأنّ هذا كالتعليل للأمرين خلافا لكنز العرفان؛ نعم قد يستحبّ لغيره، و يحتمل العموم، و لهذا ورد «من كان للّه كان اللّه له و من أصلح أمر دينه أصلح اللّه أمر دنياه و من أصلح ما بينه و بين اللّه أصلح اللّه ما بينه و بين الناس» ١ و قال تعالى «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» و يكون توجّه الأمر إلى خصوصه مثل توجّهه إليه في آيات أخر، و لعلّ الأولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء و الاهتمام، لكون ذلك مظنّة للوقوع في خلاف الأولى كما روي عن عبد اللّه بن قسيط عن رافع ٢ «قال: بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى يهوديّ و قال قل له يقول لك رسول اللّه أقرضني إلى رجب، فقال و اللّه لا أقرضته إلّا برهن، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّى لأمين في السماء و إنّى لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد، فنزلت «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» و هذا كالتتمة لها كما لا يخفى.
١- انظر مسالك الافهام ج ١ ص ١٣٢ و الوسائل الباب ٣٩ من أبواب جهاد النفس.
٢- كذلك في الكشاف ج ٣ ص ٩٩ و ترى مضمون الحديث في الدر المنثور ج ٤ ص ٣١٢ عن أبى رافع و مثله في الخازن ج ٣ ص ٢٥٣ و نص ابن حجر في الشاف الكاف ذيل الكشاف ج ٣ ص ٩٩ وقوع التحريف في الروايتين و انه يزيد بن عبد اللّه بن قسيط عن ابى رافع: