آيات الأحكام - الأسترآبادي، محمد بن علي - الصفحة ٣٧ - سورة المائدة(٥) آية ٦
و يكون الندب بالنسبة إلى المتوضّئين و الوجوب بالنسبة إلى المحدثين، فيقال: إن قصد ذلك بالأمر فلا ريب أنه استعمال له في معنيي الوجوب و الندب، و هذا و إن كان
و عاريا عن قرينة الاستحباب، الا أن هذا القيد ليس قيدا للموضوع له و لا للمستعمل فيه حتى يكون ذلك مفاد الصيغة و مدلولها اللفظي، و ليس الوجوب أمرا شرعيا منشأ بإنشاء الأمر بل أمر عقلي من جهة حكم العقل بوجوب اطاعة الأمر، فإن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى و الانزجار عن زجره قضاء لحق المولوية و العبودية.
فبمجرد بعث المولى يجد العقل أنه لا بد للعبد من الطاعة أو الانبعاث ما لم يرخص في تركه، فليس المدلول للفظ الأمر إلا الطلب من العالي، و لكن العقل هو الذي يلزم العبد بالانبعاث، و يوجب عليه الطاعة لأمر المولى، ما لم يصرح المولى بالترخيص و بإذن الترك.
فالأمر لو خلي و طبعه و بدون الترخيص شأنه أن يكون من مصاديق حكم العقل بوجوب الطاعة، فاستفادة الوجوب على تقدير تجرد الصيغة عن القرينة على إذن الأمر بالترك، انما هو بحكم العقل، إذ هو من لوازم صدور الأمر من المولى، و مع صدور الترخيص في الترك يحمل على الاستحباب، و لا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ، فليس هو موضوعا للوجوب، بل و لا موضوعا للأعم من الوجوب و الندب لان الوجوب و الندب ليس للمعنى المستعمل فيه اللفظ من التقسيمات من استعماله في معناه الموضوع له.
و عليه فلا يلزم فيما ورد في كثير من الاخبار من الجمع بين الواجبات و المستحبات بصيغة واحدة مثل «اغتسل للجنابة و الجمعة و التوبة» استعمال اللفظ في أكثر من معنى أو استعمال اللفظ في مطلق الطلب حتى يلزم ما ذكروه من المحذورات، بل الصيغة في الكل لإيقاع النسبة بداعي البعث و التحريك غاية الأمر قام الدليل في بعض الإفراد على عدم لزوم الانبعاث و اجازة الترك، و لم يقع في بعض الإفراد فيكون موردا لحكم العقل.
و عندي أن ما أفادوه بمكان من الحسن دقيق عميق فنقول في المقام أيضا الأمر بالوضوء لإيجاد البعث عليه لإقامة الصلاة، فيجب فيما لم يرد ترخيص كما فيما إذا أراد المحدث اقامة صلاته الواجبة و لا يجب فيما أراد المحدث اقامة صلاته المسنونة أو إذا لم يكن محدثا و يجدد الوضوء للصلاة فهو مما رخص في تركه، فيخرج من مصاديق حكم العقل بوجوب الإطاعة انظر البحث في أصول الفقه للمظفر ج ١ ص ٥٩ و ٦٠.