موسوعة عبد الله بن عبّاس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ٤١ - حبر الأمة عند الإمام في مشورة المغيرة
سيفي وأنا في بيتي حتى تنجلي الظلمة ، ويطلع قمرُها ، فنسري مبصرين ، نقفوا آثار المهتدين ، ونتقي سبيل الحائرين.
قال عليّ : قد أذنت لك فكن من أمرك على ما بدا لك.
فقام عمّار فقال : معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيراً يغلبك من غلبتَه ويسبقك من سبقته ، أنظر ما ترى وما تفعل ، فأما أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل.
فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان إياك أن تكون كقاطع السلسلة ، فرّ من الضحل [١] فوقع في الرمضي [٢].
فقال عليّ لعمار : دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدنيا ، أما والله يا مغيرة إنّها المثوبة المؤبدة تؤدّي مَن قام فيها إلى الجنة ولما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك.
فقال المغيرة : أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني ، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك فإن يكن ما فعلت صواباً ، فإياه أردت ، وإن خطأ فمنه نجوت ، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الإستغفار منها » [٣].
فهذا الموقف كشف لنا حقيقة المغيرة ونواياه السيئة في مجانبة الحقّ الّذي هو مع عليّ ( عليه السلام ) بشهادة قول النبيّ ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) الثابت روايته عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) يقول : ( عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة ) [٤] ، وسيأتي بعد هذا مغادرته المدينة إلى مكة مع الناكثين والحاقدين من الأمويين.
[١] الضحل : الماء القليل على الأرض لا عمق له.
[٢] الرمضي : المطر يأتي قبل الخريف فيجد الأرض حارة محترقة.
[٣] الإمامة والسياسة ١ / ٤٦ ط سنة ١٣٢٨ هـ بمصر.
[٤] تاريخ بغداد ١٤ / ٣٢١ ، وقارن مستدرك الحاكم ٣ / ١١٩ ، ومجمع الزوائد ٩ / ٢٣٤ وغيرها.