موسوعة عبد الله بن عبّاس - الخرسان، السيد محمد مهدي - الصفحة ١٦٨ - موقف الإمام مع صاحبة الهودج
التزيّد بالدعاء كان منه تخفيفاً لوقع ضرب الهودج بالرمح ، وشدّة التوبيخ بتلك الكلمة فقد قال : « ويأتي عليّ مغضباً ، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ويضبطها أشد الضبط ، فيضرب الهودج برمحه ويقول : ( كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم )؟ فتقول : يا بن أبي طالب ملكت فأسحج ، فيقول عليّ : غفر الله لك ، وتجيب عائشة : وغفر لك » [١].
فتبادل الدعاء بالمغفرة لم يرد في رواية البلاذري وهو الّذي سبق المؤرخين إلى رواية أخت إرم ـ كما تقدم ـ فمن أين أتى طه حسين بتلك الزيادة؟
وكيف يتم تبادل الدعاء بالمغفرة ممّن وصفه مغضباً. وأحسبه لفّق بين رواية البلاذري المشعرة بمنتهى الغضب ، وبين مرويات علماء التبرير الذين أخذوا روايات سيف اعتماداً على شيخ المؤرخين الطبري فهو الّذي رواها ، قال : « فانتهى اليها ـ عائشة ـ عليّ فقال : أي أمّه يغفر الله لنا ولكم قالت : غفر الله لنا ولكم » [٢]. وهذا ما رواه ابن الأثير [٣] والنويري [٤] وابن كثير [٥] وابن خلدون الّذي تزيّد في الرواية فقال : « وجاء إليها عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلّماً فقال : كيف أنتِ يا أمّه؟ قالت : بخير فقال : يغفر الله لك وجاء وجوه ... » [٦] وسيأتي مزيد بيان عن هذا الخداع والتظليل.
[١] الفتنة الكبرى ٢ / ٥٣.
[٢] تاريخ الطبري ٤ / ٥٣٤.
[٣] تاريخ ابن الأثير ٣ / ١٠٩ ط بولاق.
[٤] نهاية الارب ٢٠ / ٧٩.
[٥] البداية والنهاية ٧ / ٢٤٤.
[٦] تاريخ ابن خلدون ٢ / ١٠٨٦ ط دار الكتاب اللبناني.