تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٦٣ - الكلام فى عمرة القضاء
و خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على راحلته القصوى و المسلمون متوشحون السيوف محدقون برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يلبون فدخل النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من ثنية كداء بفتح أوّله و المدّ و هى طلعة الحجون التي بأعلى مكة ينحدر منها الى المقابر على درب المعلاة على طريق الابطح و منى و عبد اللّه بن رواحة آخذ بزمام راحلته و هو يمشى بين يديه و يقول
خلوا بنى الكفار عن سبيله* * * اليوم نضر بكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله* * * و يذهل الخليل عن خليله
* فقال له عمر يا ابن رواحة بين يدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و فى حرم اللّه تقول شعرا* فقال له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) خل عنه يا عمر فلهى أسرع فيهم من نصح النبل رواه الترمذى و رواه عبد الرزاق من وجهين بلفظ
خلوا بنى الكفار عن سبيله* * * قد أنزل الرحمن فى تنزيله
بأنّ خير القتل فى سبيله* * * نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله
و فى الاكتفاء
خلوا بنى الكفار عن سبيله* * * خلوا فكل الخير فى رسوله
يا رب انى مؤمن بقيله* * * أعرف حق اللّه فى قبوله
فلم يزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يلبى حتى استلم الركن بمعجنه مضطبعا بثوبه و طاف على راحلته و المسلمون يطوفون معه و قد اضطبعوا بثيابهم و أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بلالا فأذن على ظهر الكعبة* و فى البخاري عن ابن عباس قال المشركون انهم يقدمون عليكم و قد أوهنتهم حمى يثرب فأمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يرملوا فى الأشواط الثلاثة و أن يمشوا بين الركنين و لم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها الا الابقاء شفقة عليهم أى لم يمنعه من أمرهم بالرمل فى جميع الطوفات الا الرفق بهم و الاشفاق عليهم* و فى رواية قال ارملوا ليرى المشركون قوّتكم و المشركون من قبل قيقعان* و فى أسد الغابة اضطبع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون و رملوا و هو أوّل اضطباع و رمل فى الاسلام* و فى الاكتفاء تحدّثت قريش بينها فيما ذكره ابن اسحاق أنّ محمدا و أصحابه فى عسرة و جهد و شدّة فصفوا له عند دار الندوة لينظروا إليه و الى أصحابه فلما دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المسجد اضطبع بردائه و أخرج عضده اليمنى ثم قال رحم اللّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوّة ثم استلم الركن و خرج يهرول و يهرول أصحابه معه حتى اذا و اراه البيت منهم و استلم الركن اليمانى مشى حتى يستلم الاسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف و مشى سائرها فكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست سنة عليهم و أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فدل أنها سنة ثم طاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بين الصفا و المروة على راحلته فلما كان الطواف السابع عند فراغه و قد وقف الهدى عند المروة قال هذا المنحر و كل فجاج مكة منحر فنحر عند المروة و حلق هناك و كذلك فعل المسلمون و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ناسا من أصحابه أن يقيموا على السلاح ببطن يأجج و يأتى آخرون فقضوا نسكهم ففعلوا كذا فى المواهب اللدنية و أقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة ثلاثا فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو و حويطب بن عبد العزى فقالا قد انقضى أجلك فاخرج عنا* و فى رواية أتوا عليا فقالوا له قل لصاحبك يخرج عنا فقد انقضى الاجل فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتبعته ابنة حمزة تنادى