تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٦٤ - سبب حفر الخندق حول الحجرة النبوية
له فقال له و ما قعودك اخرج الآن الى المدينة النبوية و اكتم ما رأيت فتجهز فى بقية ليلته و خرج على رواحل خفيفة فى عشرين نفرا و فى صحبته الوزير المذكور و مال كثير فقدم المدينة فى ستة عشر يوما فاغتسل خارجها و دخل فصلى فى الروضة و زار ثم جلس لا يدرى ما ذا يصنع فقال الوزير و قد اجتمع أهل المدينة فى المسجد ان السلطان قصد زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أحضر معه أموالا للصدقة فاكتبوا من عندكم فكتبوا أهل المدينة كلهم و أمر السلطان بحضورهم و كل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها له النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فلا يجد تلك الصفة فيعطيه و يأمره بالانصراف الى أن انفضت الناس فقال السلطان هل بقى أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة قالوا لا فقال تفكروا و تأمّلوا فقالوا لم يبق أحد الا رجلين مغربيين لا يتناولان لاحد شيئا و هما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحاويج فلما سمعه السلطان انشرح صدره و قال علىّ بهما فأتى بهما فرآهما و الرجلين اللذين أشار النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) إليهما بقوله أنجدنى أنقذنى من هذين فقال لهما من أين أنتما فقالا من بلاد المغرب جئنا حاجين فاخترنا المجاورة فى هذا العام عند رسول اللّه فقال أصدقانى فصمما على ذلك فقال أين منزلهما فأخبر بأنهما فى رباط بقرب الحجرة الشريفة فأمسكهما و حضر الى منزلهما فرأى فيه مالا كثيرا و ختمتين و كتبا فى الرقائق و لم ير فيه شيئا غير ذلك فأثنى عليهما أهل المدينة بخير كثير و قالوا انهما صائمان الدهر ملازمان الصلوات فى الروضة الشريفة و زيارة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و زيارة البقيع كل بكرة و زيارة قباء كل سبت و لا يردّان سائلا قط بحيث سدّا خلة أهل المدينة فى هذا العام المجدب فقال السلطان سبحان اللّه و لم يظهر شيئا مما رآه و بقى السلطان يطوف فى البيت بنفسه فرفع حصيرا فى البيت فرأى سردا بالمحفورا ينتهى الى صوب الحجرة الشريفة فارتاعت الناس لذلك و قال السلطان عند ذلك أصدقانى حالكما و ضربهما ضربا شديدا فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى فى زى حجاج المغاربة و أمدّوهما بأموال عظيمة و امروهما بالتحيل فى شيء عظيم خيلته لهم أنفسهم و توهموا أن يمكنهم اللّه منه و هو الوصول الى الجناب الشريف و يفعلوا به ما زيّنه لهم ابليس فى النقل و ما يترتب عليه فنزلا فى أقرب رباط الى الحجرة الشريفة و هو الرباط المعروف برباط المراغة و فعلا ما تقدّم و صارا يحفران ليلا و لكل منهما محفظة جلد على زىّ المغاربة و الذي يجتمع من التراب يجعله كل منهما فى محفظته و يخرجان لاظهار زيارة قبور البقيع فيلقيانه بين القبور و أقاما على ذلك مدّة فلما قربا من الحجرة الشريفة أرعدت السماء و أبرقت و حصل رجيف عظيم بحيث خيل انقلاع تلك الجبال فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة و اتفق مسكهما و اعترافهما فلما اعترفا و ظهر حالهما على يديه و رأى تأهيل اللّه له لذلك دون غيره بكى بكاء شديدا و أمر بضرب رقابهما فقاتلا تحت الشباك الذي يلى الحجرة الشريفة و هو مما يلى البقيع ثم أمر باحضار رصاص عظيم و حفر خندقا عظيما الى الماء حول الحجرة كلها و أذيب ذلك الرصاص و ملئ به الخندق فصار حول الحجرة سورا رصاصا الى الماء ثم عاد الى ملكه و أمر باضعاف النصارى و أمر أن لا يستعمل كافر فى عمل من الاعمال و أمر مع ذلك بقطع المكوس جميعها و قد أشار الى ذلك الجمال المطرى باختصار و لم يذكر عمل الخندق حول الحجرة و سبك الرصاص به و قال ان السلطان محمود المذكور رأى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاث مرّات فى ليلة واحدة و هو يقول فى كل واحدة يا محمود أنقذنى من هذين الشخصين الاشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك فقال له هذا أمر حدث فى مدينة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ليس له غيرك فتجهز و خرج على عجل بمقدار ألف راحلة و ما يتبعها من خيل و غير ذلك حتى دخل المدينة على غفلة من أهلها و الوزير معه و زار و جلس