تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٣٩ - (ذكر خلافة المنتصر باللّه محمد بن المتوكل جعفر ابن المعتصم محمد بن الرشيد هرون بن المهدى محمد بن أبى جعفر و قيل أبى عبد اللّه)
الرافضى* و فى سنة سبع و أربعين و مائتين مات أبو عثمان المازنى النحوى صاحب التصريف و أمير المؤمنين المتوكل على اللّه جعفر بن المعتصم و كان المتوكل بايع بولاية العهد ولده المنتصر محمدا ثم انه أراد ان يعزله و يولى ولده المعتز لمحبته لامّه قبيحة فسأل المتوكل ولده المنتصر أن ينزل عن العهد لاخيه المعتز فأبى المنتصر فغضب المتوكل عليه و صار يحضره المجالس العامّة و يحط منزلته و يهدّده و يشتمه و يتوعده ثم اتفق انّ الترك انحرفوا على المتوكل لكونه صادر وصيف التركى و بغا فاتفق الاتراك حينئذ مع المنتصر على قتل أبيه المتوكل و دخلوا عليه و هو فى مجلس أنسه و عنده وزيره الفتح بن خاقان بعد أن مضى من الليل ثلاث ساعات* و فى دول الاسلام نصف الليل و هجم باعز و معه عشرة و قصد السرير فصاح الفتح ويلكم مولاكم و تهارب الغلمان و الندماء على وجوههم و بقى الفتح وحده و المتوكل قد غرق فى السكر و النوم و بقى الفتح يمانعهم عنه فضرب باعز المتوكل بالسيف على عاتقه فقدّه الى خاصرته فصاح المتوكل ثم بعج الفتح آخر بالسيف فأخرجه من ظهره و هو صابر ثم طرح الفتح نفسه على المتوكل فماتا و لفا فى بساط و كان قتل المتوكل فى ليلة الاربعاء ثالث أو رابع شوّال سنة سبع و أربعين و مائتين فى القصر الجعفرى الذي بناه المتوكل و دفن به و وزيره الفتح و كانت خلافته أربع عشرة سنة و تسعة أشهر و تسعة أو ثمانية أيام و مات و عمره احدى و أربعون سنة و تخلف بعده ابنه المنتصر و لم تطل دولته و لا متع بالملك*
(ذكر خلافة المنتصر باللّه محمد بن المتوكل جعفر ابن المعتصم محمد بن الرشيد هرون بن المهدى محمد بن أبى جعفر و قيل أبى عبد اللّه)
* و أمّه أمّ ولد رومية اسمها حبشه* صفته* كان أعين أقنى أسمر مليح الوجه ربعة كبير البطن مهيبا منصفا فى الرعية مالت إليه القلوب مع شدّة هيبتهم بويع بالخلافة بعد قتل أبيه* قال الذهبى تسلم الخلافة صبيحة قتل والده المتوكل فلم تطل دولته و لم يمتع بالخلافة و هو أوّل من عدا على أبيه من بنى العباس كما ان يزيد بن الوليد الاموى أوّل من عدا على أبيه كذا قاله ابن دحية و شيرويه بن كسرى عدا على أبيه و قد جرت عادة اللّه أن من عدا على أبيه لا يبلغه سؤلا و لا يمتعه بدنياه الا قليلا فلم يقم المنتصر بعد أبيه الا ستة أشهر كذا فى سيرة مغلطاى و قيل انه كان يقول يا بغا أين أبى من قتل ابى و يسب الاتراك و يقول هؤلاء قتلة الخلفاء و على هذا لا يكون المنتصر تواطأ على قتل أبيه انتهى* و لما سمع بغا الصغير ذلك من المنتصر قال للذين قتلوا المتوكل ما لكم عند هذا رزق فهموا به و عجزوا عنه لانه كان مهابا شجاعا فطنا متحرّزا فتحيل عند ذلك الاتراك الى أن دسوا الى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضه فأشار بفصده ففصد بمبضع أو قال بريشة مسمومة فمات فيقال ان ابن طيفور المذكور نسى و مرض فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة فمات أيضا* و قال بعضهم بل حصل للمنتصر مرض فى أنثييه أو معدته فمات بعد ثلاث ليال و قيل مات بالخوانيق أى الذبحة و قيل سم فى كمثراة بابرة لانه كان يسيئ على العيال و يبخل فسمه بعضم و كان المنتصر يتهم بقتل أبيه* يحكى انه نام يوما ثم انتبه و هو يبكى فجاءته أمه فقالت يا بنى لا أبكى اللّه لك عينا فقال اذهبى عنى ذهبت عنى الدنيا و الآخرة رأيت الساعة أبى فى النوم و هو يقول و يحك يا محمد قتلتنى لاجل الخلافة و اللّه لا متعت بها الا أياما يسيرة ثم مصيرك الى النار فلم يعش بعد ذلك الا أياما قليلة* و ذكر على بن يحيى المنجم انّ المنتصر جلس مجلس اللهو فرأى فى بعض البسط دائرة فيها رأس عليه تاج و حوله كتابة فارسية فطلب المنتصر من يقرأ ذلك فأحضر رجل فنظر فيها ثم قطب فقال له المنتصر ما هذه قال لا معنى لها فالح عليه فقال فيها انا شيرويه بن كسرى ابن هرمز قتلت أبى فلم أمتع بالملك الا ستة أشهر فتغير لذلك وجه المنتصر و قام من مجلسه و حاصل الامر ان المنتصر لم يمتع بالخلافة و مات بعد ستة أشهر أو دونها فانه تخلف فى شوّال و مات فى شهر ربيع الآخر