تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٧١ - (ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الامكان)
و جئتنى به عند الموت لا أقبله فمضى عثمان الى أم حبيبة فسألها أن تطلب من ابن مسعود ليرضى عنه فكلمته أم حبيبة ثم أتاه عثمان فقال يا أبا عبد الرحمن أ لا تقول كما قال يوسف لاخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم فلم يتكلم ابن مسعود و اذا ثبت هذا فقد فعل عثمان ما هو الممكن من حقه اللائق بمنصبه أوّلا و آخرا و لو فرض خطاؤه فقد أظهر التوبة و التمس الاستغفار و اعتذر بالذنب لمن لم يقبله حينئذ فان اللّه أخبر أنه يقبل التوبة عن عباده و فى ذلك حثهم على الاقتداء به على أنه قد نقل ان ابن مسعود رضى عنه و استغفر له قال سلمة بن سعيد دخلت على ابن مسعود فى مرضه الذي توفى فيه و عنده قوم يذكرون عثمان فقال لهم مهلا فانكم ان قتلتموه لا تصيبون مثله و أما عزله عن الكوفة و اشخاصه الى المدينة و هجره له و جفاؤه اياه فلم تزل هذه شيمة الخلفاء قبله و بعده على ما تقدّم تحريره و ليس هجره اياه أعظم من هجر علىّ أخاه عقيلا بن أبى طالب و أبا أيوب الانصارى حين فارقاه بعد انصرافه من صفين و ذهبا الى معاوية و لم يوجب ذلك طعنا عليه و لا عيبا فيه* و قد روى ان اعرابيا من همدان دخل المسجد فرأى ابن مسعود و حذيفة و أبا موسى يذكرون عثمان طاعنين عليه فقال أنشدكم اللّه لو أن عثمان ردّكم الى أعمالكم و ردّ إليكم عطاياكم أ كنتم ترضون قالوا اللهم نعم فقال الهمدانيّ اتقوا اللّه يا أصحاب محمد و لا تطعنوا على أئمتكم و فى هذا بيان أن من طعن على عثمان انما كان لعزله اياه و تولية غيره و قطع عطاياه و ذلك سائغ للامام اذا أدّى اجتهاده إليه* (الحادى عشر)* نقلوا انه قال لعبد الرحمن بن عوف انه منافق و ذلك ان الصحابة لما نقموا على عثمان ما أحدثه و عاتبوا عبد الرحمن فى توليته اياه فى اختياره فندم على ذلك و قال انى لا أعلم ما يكون و أن الامر إليكم فبلغ قوله عثمان و قال ان عبد الرحمن منافق و أنه لا يبالى ما قال فحلف ابن عوف لا يكلمه ما عاش و مات على هجرته و قالوا فان كان ابن عوف منافقا كما قال فما صحت بيعته و لا اختياره له و ان لم يكن منافقا فقد فسق بهذا القول و خرج عن أهلية الامارة* جوابه أما قولهم ان عبد الرحمن ندم على تولية عثمان فكذب صريح و لو كان كذلك لصرح بخلعه اذ لا مانع له فان أعيان الصحابة على زعمهم منكرون عليه ناقمون احداثه و الناس تبع لهم فلا مانع لهم من خلعه و كيف يصح ما وصفوا به كل واحد منهما فى حق الآخر و قد آخى (صلى اللّه عليه و سلم) بينهما فثبت لكل واحد منهما على الآخر حق الاخوة و الاشتراك فى صحبة النبوّة و شهادة النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لكل منهما بالجنة و نزل التنزيل مخبرا بالرضا عنهم و توفى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو عنهما راض و يبعد مع هذا كله صدور ما ذكروه عن كل واحد منهما و انما الذي صح فى قصته ان عثمان استوحش منه فان عبد الرحمن كان ينبسط إليه فى القول و لا يبالى بما يقول له* و روى أنه قال له انى أخاف يا ابن عوف أن تنبسط فى دمى* (الثانى عشر)* ما رووا أنه ضرب عمار بن ياسر و ذلك ان أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اجتمع منهم خمسون رجلا من المهاجرين و الانصار فكتبوا احداث عثمان و ما نقموا عليه فى كتاب و قالوا العمار أوصل هذا الكتاب الى عثمان ليقرأه فلعله أن يرجع عن هذا الذي ننكره و خوّفوه فيه بأنه ان لم يرجع خلعوه و استبدلوا غيره قالوا فلما قرأ عثمان الكتاب طرحه فقال عمار لا ترم بالكتاب و انظر فيه فانه كتاب أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنا و اللّه ناصح لك و خائف عليك فقال كذبت يا ابن سمية و أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه و أغمى عليه و زعموا انه قام بنفسه فوطئ بطنه و مذاكيره حتى أصابه الفتق و أغمى عليه أربع صلوات فقضاها بعد الافاقة و اتخذ لنفسه ثيابا تحت ثيابه و هو أول من لبس الثياب لاجل الفتق فغضب لذلك بنو مخزوم و قالوا و اللّه لئن مات عمار من هذا لنقتلنّ من بنى أمية شيخا عظيما يعنون
عثمان ثم ان عمارا لزم بيته الى أن كان من أمر الفتنة ما كان