تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٧٠ - (ذكر ما نقم على عثمان مفصلا و الاعتذار عنه بحسب الامكان)
تعالى* جوابه أما قصة عبادة بن الصامت فهى دعوى باطلة و كذب مختلق و ما شكا معاوية عبادة و لا أشخصه عثمان و الامر على خلاف ذلك فيما رواه الثقات من اتفاقهم و رجوع بعضهم الى بعض فى الحق و يشهد لذلك ما روى انّ معاوية لما غزا جزيرة قبرس كان معه عبادة بن الصامت فلما فتح الجزيرة و أخذوا غنائمها أخرج معاوية خمسها و بعثه الى عثمان و جلس يقسم الباقى بين جنده و جلس جماعة من أصحاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ناحية منهم عبادة بن الصامت و أبو الدرداء و شدّاد بن أوس و واثلة بن الاسقع و أبو امامة الباهلى و عبد اللّه بن بشر المازنى فمرّ بهم رجلان يسوقان حمارين فقال لهما عبادة ما هذان الحماران فقالا انّ معاوية أعطاناهما من المغنم و انا نرجو أن نحج عليهما فقال لهما عبادة لا يحل لكما ذلك و لا لمعاوية أن يعطيكما فردّ الرجلان الحمارين على معاوية و سأل معاوية عبادة بن الصامت عن ذلك فقال عبادة شهدت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى غزوة حنين و الناس يكلمونه فى الغنائم فأخذ وبرة من بعير و قال ما لي مما أفاء اللّه عليكم من الغنائم الا الخمس و الخمس مردود عليكم فاتق اللّه يا معاوية و اقسم الغنائم على وجهها و لا تعط أحدا منها اكثر من حقه فقال معاوية قد وليتك قسمة الغنائم ليس أحد بالشأم أفضل منك و لا أعلم فاقسمها بين أهلها و اتق اللّه فيها فقسمها عبادة بين أهلها و أعانه أبو الدرداء و أبو امامة و ما زالوا على ذلك الى آخر زمن عثمان فهذه قصة عبادة فى التزامه طاعة عثمان و طاعة عامله بالشأم بضدّ ما رووه قاتلهم اللّه* (العاشر)* هجره لعبد اللّه بن مسعود و ذلك انه لما عزله عن الكوفة و أشخصه الى المدينة هجره أربع سنين الى أن مات مهجورا و سبب ذلك فيما زعموا انّ ابن مسعود لما عزله عثمان عن الكوفة و ولى الوليد بن عقبة و رأى صنيع الوليد فى جوره و ظلمه فعاب ذلك و جمع الناس بمسجد الكوفة و ذكر لهم احداث عثمان ثم قال أيها الناس لتأمرنّ بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطنّ اللّه عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم و بلغه خبر نفى أبى ذر الى الربذة فقال فى خطبته بمحفل من أهل الكوفة هل سمعتم قول اللّه تعالى ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم و تخرجون فريقا منكم من ديارهم و عرض بذلك لعثمان فكتب الوليد بذلك الى عثمان فأشخصه من الكوفة فلما دخل مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أمر عثمان غلاما له أسود فدفع ابن مسعود و أخرجه من المسجد و رمى به الى الارض و أمر باحراق مصحفه و جعل منزله محبسه و حبس عنه عطاء أربع سنين الى أن مات و أوصى الزبير بأن لا يترك عثمان يصلى عليه و زعموا أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده و قال استغفر اللّه لى فقال اللهم انك عظيم العفو كثير التجاوز فلا تتجاوز عن عثمان حتى تقيد لى منه* جوابه اما ما رووه مما جرى على عبد اللّه بن مسعود من عثمان و أمره غلامه بضربه الى آخر ما قرّروه فكله بهتان و اختلاق لا يصح منه شيء و هؤلاء الجهلة لا يتحامون الكذب فيما يروونه موافقا لأغراضهم اذ لا ديانة تردّهم لذلك ثم نقول على تقدير صحة ذلك من الغلام فيكون قد فعله من نفسه غضبا لمولاه فانّ ابن مسعود كان يجبه عثمان بالكلام و يلقاه بما يكرهه و لو صح ذلك عنه لكان محمولا على الادب فانّ منصب الخلافة لا يحتمل ذلك و يضع ذلك منه بين العامّة و ليس هذا بأعظم من ضرب عمر سعد بن أبى وقاص بالدرة على رأسه حين لم يقم له و قال له انك لم تهب الخلافة فأردت أن تعرف انّ الخلافة لا تهابك و لم يغير ذلك سعدا و لا رآه عيبا و كذلك ضربه لابىّ بن كعب حين رآه يمشى و خلفه قوم فعلاه بالدرّة و قال انّ هذا مذلة للتابع و فتنة للمتبوع و لم يطعن أبىّ بذلك على عمر بل رآه أدبا منه نفعه اللّه به و لم يزل دأب الخلفاء و الامراء تأديب من رأوا منه الخلاف على أنه قد روى انّ عثمان اعتذر لابن مسعود و أتاه فى منزله حين بلغه مرضه و سأله أن يستغفر له و قال يا أبا عبد الرحمن هذا عطاؤك فخذه فقال له ابن مسعود و ما أتيتنى به اذ كان ينفعنى