تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٤٨ - (ذكر مقتله رضى اللّه عنه)
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها* * * بوائق فى أكمامها لم تفتق
قالت عائشة فقلت لبعض أهلى اعلموا الى من هذا الرجل فذهبوا فلم يجدوا فى مناخه أحدا قالت عائشة فو اللّه انى لا حسبه من الجنّ فلما قتل عمر نحل الناس هذه الابيات للشماخ بن ضرار و لاخيه مزرّد* قال سعيد بن المسيب لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالابطح ثم كوّم كومة بطحاء ثم طرح عليها رداءه فاستلقى ثم مدّ يده الى السماء فقال اللهمّ كبر سنى و ضعفت قوّتى و انتشرت رعيتى فاقبضنى إليك غير مضيع و لا مفرّط ثم قدم المدينة فخطب الناس فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل* و روى أن عمر لما انصرف من حجته هذه التي لم يحج بعدها أتى ضجنان و وقف فقال الحمد للّه و لا إله الا اللّه يعطى اللّه من يشاء ما يشاء لقد كنت بهذا الوادى أرعى ابلا للخطاب و كان فظا غليظا يتعبنى اذا عملت و يضربنى اذا قصرت و قد أصبحت و أمسيت و ليس بينى و بين اللّه أحد أخشاه ثم تمثل بهذه الابيات
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته* * * يبقى الا له و يردى المال و الولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه* * * و الخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
و لا سليمان اذ تجرى الرياح له* * * و الانس و الجنّ فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها* * * من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنا لك مورود بلا كذب* * * لا بدّ من ورده يوما كما وردوا
(ذكر مقتله رضى اللّه عنه)
روى أنّ عمر كان لا يأذن لمشرك قد احتلم أن يدخل المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة و هو على الكوفة يستأذنه فى غلام صنع اسمه فيروز أبو لؤلؤة فقال ان لديه أعمالا كثيرة حداد و نقاش و نجار و منافع للناس فأذن له فأرسل به المغيرة و ضرب عليه المغيرة مائة درهم فى كل شهر فجاء الغلام الى عمر و اشتكى فقال له عمر ما تحسن من الاعمال فذكرها فقال له عمر ما خراجك بكثير* و عن عمرو بن ميمون قال كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانيا خرجه أبو عمرو و قيل كان مجوسيا ذكره القلعى و غيره* و عن أبى رافع قال كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة و كان يصنع الارحاء و كان المغيرة كل يوم يستغله أربعة دراهم فلقى أبو لؤلؤة عمر فقال يا أمير المؤمنين انّ المغيرة أثقل علىّ غلتى فكلمه لى يخفف عنى فقال له عمر اتق اللّه و أحسن الى مولاك فغضب العبد و قال وسع الناس كلهم عدله غيرى فأضمر على قتله فاصطنع خنجرا له رأسان و سمه ثم أتى به الهرمز ان فقال كيف ترى هذا فقال انك لا تضرب بهذا أحدا الا قتلته كذا فى الرياض النضرة* و روى انّ عمر بعد أن قدم المدينة من حجته خرج يوما يطوف بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة و كان نصرانيا فقال يا أمير المؤمنين أعدنى على المغيرة فانّ علىّ خراجا كثيرا قال و كم خراجك قال درهمان فى كل يوم قال و أيش صناعتك قال نجار نقاش حدّاد قال فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الاعمال قال بلغنى انك تقول لو أردت أعمل رحى تطحن بالريح لفعلت قال نعم قال فاعمل لى رحى قال لئن سلمت لأعملنّ لك رحى يتحدّث بها بالمشرق و المغرب ثم انصرف عنه فقال عمر لقد توعدنى العلج آنفا* و فى رواية قيل له ما يمنعك ان تأمر بدفعه قال لا قصاص قبل القتل ثم انصرف عمر الى منزله فلما كان من الغد جاءه كعب الاحبار فقال يا أمير المؤمنين اعهد فانك ميت فى ثلاثة أيام قال و ما يدريك قال أجده فى كتاب اللّه التوراة فقال عمر آللّه انك لتجد عمر ابن الخطاب فى التوراة قال اللهمّ لا و لكن أجد صفتك و حليتك بانه قد فنى أجلك و عمر لا يحس وجعا و لا ألما قبل فقال عمر رضينا بقضاء اللّه و قدره فلما أصيب تذكر قول كعب فقال و كان أمر اللّه قدرا مقدورا فلما كان من الغد جاءه كعب فقال يا أمير المؤمنين ذهب يوم و بقى يومان ثم جاءه من بعد الغد فقال ذهب يومان و بقى يوم و ليلة و هى لك الى صبحها* فلما كان الصبح خرج عمر الى الصلاة و كان