تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٦٨ - (ذكر بيعة أبى بكر)
فلما جلسا تشهد خطيبهم فأثنى على اللّه بما هو أهله ثم قال أما بعد فنحن أنصار اللّه و كتيبة الاسلام و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا و قد دفت دافة من قومكم قال عمر يريدون أن يجتازونا من أصلنا و يغصبونا الامر فلما سكت خطيبهم قال أبو بكر أما ما ذكرتم من خير فيكم فأنتم له أهل و لن يعرف هذا الامر الا لهذا الحىّ من قريش هم أوسط العرب نسبا و دارا و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم و أخذ بيد عمر و أبى عبيدة بن الجرّاح و هو جالس بينهما فقال قائل من الانصار و هو الخباب بن المنذر أنا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش فى الصحاح الجذل أصل الحطب العظام و الجذل المحكك الذي ينصب فى العطن لتحتك به الابل الجربى و منه قول الخباب بن المنذر الانصارى أنا جذيلها المحكك* و فى نهاية ابن الاثير فى حديث السقيفة قول الخباب أنا جذيلها المحكك هو تصغير جذل و هو العود الذي ينصب للابل الجربى لتحتك به و هو تصغير تعظيم أى انا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الابل الجربى بالاحتكاك بهذا العود المحكك و هو الذي كثر الاحتكاك به و قيل أراد به شديد البأس صلب المكسر كالجذل المحكك* و فى النهاية أيضا العذق بالفتح النخلة و بالكسر العرجون بما فيه من الشماريخ و فى حديث السقيفة أنا عذيقها المرجب تصغير العذق النخلة و هو تصغير تعظيم* و فى الصحاح الترجيب التعظيم و الترجيب أيضا أن يدعم الشجرة اذا كثر حملها لئلا تنكسر أغصانها انتهى* قال عمر فكثر اللغط و ارتفعت الاصوات حتى تخوّفت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر فبسطها فبايعته و بايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار و نزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة فقلت قتل اللّه سعد بن عبادة* و ذكر موسى بن عقبة انهم لما توجهوا الى سقيفة بنى ساعدة أراد عمر أن يتكلم فزجره أبو بكر فقال على رسلك فستكفى الكلام ان شاء اللّه ثم تقول بعدى ما بدا لك فتشهد أبو بكر و أنصت القوم ثم قال هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق فدعا (صلى اللّه عليه و سلم) الى الاسلام فأخذ اللّه بنواصينا و قلوبنا الى ما دعانا إليه فكنا معشر المهاجرين أوّل الناس اسلاما و نحن عشيرته و أقاربه و ذو و رحمه فنحن أهل النبوّة و أهل الخلافة و أوسط الناس انسابا فى العرب ولدتنا العرب كلها فليست منها قبيلة الا لقريش فيها ولادة و لن تعرف العرب و لا تصلح الا على رجل من قريش هم أصبح الناس وجوها و أبسط ألسنا و أفضل قولا فالناس لقريش تبع فنحن الامراء و أنتم الوزراء و هذا الامر بيننا و بينكم قسمة الابلمة و أنتم معشر الانصار اخواننا فى كتاب اللّه و شركاؤنا فى الدين و أحب الناس إلينا و أنتم الذين آووا و نصروا و أنتم أحق بالرضا بقضاء اللّه و التسليم لفضيلة ما أعطى اللّه اخوانكم من المهاجرين و أحق الناس أن لا تحسدوا على خير آتاهم اللّه اياه فأنا أدعوكم الى أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب و أبى عبيدة عامر بن الجرّاح و وضع يديه عليهما و كان قائما بينهما فكلاهما قد رضيته للقيام بهذا الامر و رأيته أهلا لذلك فقال عمر و أبو عبيدة لا ينبغى لاحد بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يكون فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار مع رسول اللّه و ثانى اثنين و أمرك رسول اللّه حين اشتكى فصليت بالناس فأنت أحق الناس بهذا الامر قالت الانصار و اللّه لا نحسدكم على خير ساقه اللّه إليكم و ما خلق اللّه قوما أحب إلينا و لا أعزّ علينا منكم و لا أرضى عندنا هديا و لكنا نشفق بعد اليوم فلو جعلتم اليوم رجلا منكم فاذا مات أخذنا رجلا من الانصار فجعلناه فاذا مات أخذنا رجلا من المهاجرين فجعلناه فكنا كذلك أبدا ما بقيت هذه الأمة بايعناكم و رضينا بذلك من أمركم و كان أجدر أن يشفق القرشى ان زاغ أن ينقض عليه الانصارى و أن يشفق الانصارى ان زاغ أن ينقض عليه القرشى فقال عمر لا ينبغى هذا الامر و لا يصلح الا لرجل من قريش و لن ترضى العرب الا به و لن تعرف العرب الامارة