نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٩٢ - ٨٩ الشيخ بويه و الرؤيا التي هالته
حتى يجتاز بنا منجّم أو عالم، فنسأله، و مضى على هذا الأمر شهور.
فخرجت أنا و هو في بعض الأيّام إلى شاطئ البحر، نصطاد سمكا، فجلسنا، فاصطدنا شيئا كثيرا، فحملناه على ظهورنا، أنا و هو، و جئنا.
فقال لي: ليس في داري من يعمله، فخذ الجميع إليك ليعمل عندك.
فأخذته، و قلت له: فتعال إليّ، لنجتمع عليه، ففعل.
فقعدنا أنا و عيالي ننظّفه، و نطبخ بعضه، و نشوي الباقي.
و إذا رجل مجتاز، يصيح، منجّم، مفسّر للرؤيا.
فقال لي: يا أبا الحسين، تذكر ما قلته لك، بسبب المنام الذي رأيته؟ فقلت: بلى، فقمت، و جئت بالرجل.
فقال له بويه: رأيت ليلة في منامي، كأنّي جالس أبول، فخرج من ذكري نار عظيمة كالعمود، ثم تشعّبت يمنة و يسرة، و أماما و خلفا، حتى ملأت الدنيا، و انتبهت، فما تفسير هذا؟ فقال له الرجل: لا أفسّره لك بأقل من ألف درهم.
قال: فسخرنا منه، و قلنا له: ويحك، نحن فقراء، نخرج نصيد سمكا لنأكله، و اللّه ما رأينا هذا المبلغ قط، و لا عشرة، و لكنّا نعطيك سمكة من أكبر هذا السمك.
فرضي بذلك، و قال له: يكون لك أولاد يفترقون في الدنيا، فيملكونها و يعظم سلطانهم فيها، على قدر ما احتوت النار التي رأيتها في المنام عليه من الدنيا.
قال: فصفعنا الرجل، و قلنا: سخرت منا، و أخذت السمكة حراما.
و قال له بويه: ويلك، أنا صيّاد فقير، كما ترى، و أولادي هم هؤلاء، و أومأ إلى عليّ بن بويه [١] ، و كان أوّل ما اختطّ
[١] علي بن بويه: الأمير عماد الدولة، ترجمته في حاشية القصة ١/١٧٤ من النشوار.