العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٨ - و من احتجاج المحلين للنبيذ
و امش الدبيب إذا مشيت لحاجة # حتى تصيب وديعة ليتيم [١]
و قال بعض الظرفاء:
أظهروا و اللََّه سمتا # و على المنقوش داروا [٢]
و له صلّوا و صاموا # و له حجّوا و زاروا
لو يرى فوق الثّريّا # و لهم ريش لطاروا!
فهؤلاء المراءون بأعمالهم، العاملون للناس و التاركون للناس، هم شرار الخلق و أراذل البرية.
و قد فضل شربة النبيذ عليهم بإرسال الأنفس على السجية، و إظهار المروءة و لست أصف بهذا منهم إلا دينا، فليس في الناس صنف إلا و لهم حشو.
و من احتجاج المحلين للنبيذ
ما رواه مالك بن أنس في موطئه من حديث أبي سعيد الخدري: أنه قدم من سفر فقدّم إليه لحم من لحوم الأضاحي، فقال: أ لم يكن رسول اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهاكم عن هذا بعد ثلاثة أيام؟فقالوا: قد كان بعدك من رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم فيها أمر. فخرج إلى الناس فسألهم، فأخبروه أن رسول اللََّه قال: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، فكلوا و ادّخروا و تصدقوا؛ و كنت نهيتكم عن الانتباذ في الدباء و المزفّت، فانتبذوا و كل مسكر حرام؛ و كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها و لا تقولوا هجرا» . و الحديثان صحيحان، رواهما مالك بن أنس و أثبتهما في موطئه، و إنما هو ناسخ و منسوخ؛ و إنما كان نهيه أن ينتبذ في الدباء و المزفت، نهيا عن النبيذ الشديد؛ لأن الأشربة فيهما تشتد؛ و لا معنى للدباء و المزفت غير هذا. و قوله بعد هذا: «كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا، و كل مسكر حرام» -إباحة لما كان حظر عليهم من النبيذ الشديد. و قوله صلّى اللََّه عليه و سلّم: «كل مسكر حرام» ، ينهاكم بذلك أن تشربوا حتى
[١] الدبيب: المشي البطيء.
[٢] السمت: السكينة و الوقار.