العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٧ - مناقشة ابن قتيبة في قوله في الاشربة
و أذن لعرفجة بن سعد-و كان أصيب أنفه يوم الكلاب-باتخاذ أنف من الذهب.
و قد جعل اللََّه فيما أحلّ عوضا مما حرّم، فحرّم الربا و أحل البيع، و حرم السفاح [١] و أحل النكاح، و حرم الديباج [٢] و أحل الوشي، و حرم الخمر و أحل النبيذ غير المسكر؛ و المسكر منه ما أسكرك.
مناقشة ابن قتيبة في قوله في الاشربة
قال في كتابه: فإن قال قائل: إن المنكر هي الشربة المسكرة، اكذبه النظر؛ لان القدح الاخير إنما أسكر بالاول، و كذلك اللقمة الاخيرة إنما اشبعت بالاولى. و من قال السكر حرام، قال: فإنما ذلك مجاز من القول، و إنما يريد: ما يكون منه السكر حرام، و كذلك التخمة حرام.
و هذا الشاهد الذي استشهد به في تحريمه قليل ما أسكر كثيره، و تشبيهه ذلك بالتخمة-شاهد عليه لا شاهد له؛ لأن الناس مجمعون على أن قليل الطعام الذي تكون منه التخمة، حلال؛ و أن التخمة حرام؛ و كذلك ينبغي ان يكون قليل النبيذ الذي يسكر كثيره حلالا، و كثيره حراما، و أن الشربة الاخيرة المسكرة هي المحرّمة.
و مثل الاربعة أقداح التي يسكر منها القدح الرابع، مثل أربعة رجال اجتمعوا على رجل، فشجّه احدهم موضحة [٣] ، ثم شجه الثاني منقلة [٤] ، ثم شجه الثالث مأمومة [٥] ، ثم أقبل الرابع فأجهز عليه؛ فلا نقول إن الاول، هو قاتله، و لا الثاني، و لا الثالث، و إنما قتله الرابع الذي اجهز عليه و عليه القود [٦] .
[١] السفاح: الزنا و الفجور.
[٢] الديباج: ضرب من الثياب سداه و لحمته حرير.
[٣] الموضحة: التي توضح عن العظم.
[٤] المنقلة: التي تنقل العظم.
[٥] المأمومة: التي تبلغ أم الدماغ.
[٦] القود: القصاص.