العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٦ - الفرق بين الخمر و النبيذ
فلا يسمى نبيذا، كما أنه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا، كما قال الشاعر:
نبيذ إذا مرّ الذّباب بدنّه # تقطّر أو خرّ الذباب و وقيذا [١]
و قيل لسفيان الثوري و قد دعا بنبيذ فشرب منه و وضعه بين يديه: يا أبا عبد اللََّه، أ تخشى الذباب أن يقع في النبيذ؟قال: قبحه اللََّه إن لم يذبّ عن نفسه!.
و قال حفص بن غياث: كنت عند الاعمش و بين يديه نبيذ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث، فسترته، فقال لي: لم سترته؟فكرهت أن أقول: لئلا يراه من يدخل، فقلت: كرهت أن يقع فيه الذباب. فقال لي: هيهات إنه أمنع من ذلك جانبا!.
و لو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها اللََّه في كتابه، ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة.
حدث محمد بن وضّاح قال: سألت سحنونا، فقلت: ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته أن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها اللََّه في كتابه؟قال:
بانت [٢] زوجته منه.
و ذكر ابن قتيبة في كتاب الاشربة ان اللََّه تعالى حرّم علينا الخمر بالكتاب، و المسكر بالسنة، فكان فيه فسحة؛ فما كان محرّما بالكتاب فلا يحل منه لا قليل و لا كثير، و ما كان محرّما بالسّنة فإن فيه فسحة أو بعضه، كالقليل من الديباج و الحرير يكون في الثوب، و الحرير محرّم بالسنة؛ و كالتفريط في صلاة الوتر و ركعتي الفجر، و هما سنة؛ فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر و العصر.
و قد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم في لباس الحرير لبليّة كانت به.
[١] تقطر: صرع و سقط، و الوقيظ: المضروب حتى يموت.
[٢] بانت زوجته: طلقت.