العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٩ - حارثة بن بدر و زياد
وعود السكارى
حدثنا ابو جعفر البغدادي قال: كان بالجزيرة رجل يبيع نبيذا في ناجود [١] له و كان بيته من قصب، و كان يأتيه قوم يشربون عنده، فإذا عمل فيهم الشراب قال بعضهم لبعض: أ ما ترون بيت هذا النّبّاذ من قصب!فيقول بعضهم: عليّ الآجر! و يقول الآخر: علي الجصّ!و يقول الآخر: عليّ اجرة العامل!فإذا اصبحوا لم يعملوا شيئا. فلما طال ذلك على النبّاذ قال:
لنا بيت يهدم كلّ يوم # و يصبح حين يصبح جذم خصّ [٢]
إذا ما دارت الاقداح قالوا # غدا نبني بآجرّ و جصّ [٣]
و كيف يشيّد البنيان قوم # يمرّون الشتاء بغير قمص!
حارثة بن بدر و زياد
و دخل حارثة بن بدر على زياد و بوجهه أثر فقال له: ما هذا؟قال. ركبت فرسي الاشقر فصرعني. قال: أما إنك لو ركبت الاشهب ما صرعك.
أراد حارثة بالاشقر: النبيذ!و أراد زياد بالاشهب: اللبن.
و كان قيس بن عاصم يأتيه في جاهليته تاجر خمر، فيبتاع منه، و لا يزال الخمار في جواره حتى ينفذ ما عنده؛ فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته و تناول ثوبها، و رأى القمر فتكلم بشيء، ثم انتهب مال الخمار، و أنشأ يقول:
من تاجر فاجر جاء الاله به # كأن لحيته أذناب أجمال
جاء الخبيث ببيسانية تركت # صحبي و أهلي بلا عقل و لا مال [٤]
فلما صحا أخبر بما صنع، و ما قال، فآلى ان لا يذوق خمرا أبدا.
[١] الناجود: اناء يجعل فيه الخمر.
[٢] الجذم: الأصل.
[٣] الآجر و الجص: من مواد البناء.
[٤] البيسانية: الخمر المنسوبة الى بيسان.