العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥١ - أصحاب الشراب
و تريه الغيّ رشدا # و تريه الرّشد غيا!
و قال أيضا:
عتّقت في الدّنّ حولا # فهي في رقة ديني [١]
و قال الناطق بالحق:
تركت النّبيذ و أصحابه # و صرت خدينا لمن عابه [٢]
شراب يضلّ سبيل الرشاد # و يفتح للشّرّ أبوابه
و إنما قيل لمشارب الرجل: نديم، من الندامة؛ لان معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه؛ فقيل لمن شاربه: نادمه؛ لأنه فعل مثل ما فعله، فهو نديم له؛ كما يقال:
جالسه فهو جليس له؛ و المعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشيء أي فناءه.
و قال ابو الاسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني # رأيت أخاها مغنيا بمكانها
فإن لا تكنها او تكنه فإنّه # أخوها غذته أمّه بلبانها [٣]
أصحاب الشراب
و قد شهر اصحاب الشراب بسوء العهد. و قلة الحفاظ، و أنهم صديقك ما استغنيت حتى تفتقر، و ما عوفيت حتى تنكب. و ما غلب دنانك حتى تنزف، و ما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك؛ قال الشاعر:
أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم # و ليس لاصحاب النّبيذ حريم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم # و كلّهم رثّ الحبال سئوم
إذا جئتهم حيّوك ألفا و رحّبوا # و إن غبت عنهم ساعة فذميم
فهذا بياني لم أقل بجهالة # و لكنّني بالفاسقين عليم
[١] الدن: وعاء لشرب الخمر.
[٢] الخدين: الصديق.
[٣] اللبان: ما يرتضع الصبي من ثدي أمه.