العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٨ - الخمر المحرمة في الكتاب
الزبد من عصير العنب، من غير أن تمسه نار، و لا يزال خمرا حتى يصير خلا، و ذلك إذا غلبت عليه الحموضة و فارقتها النشوة؛ لأن الخمر ليست محرّمة العين كما حرمت عين الخنزير، و إنما حرمت لعرض دخل لها، فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالا كما كانت قبل الغليان حلالا، و عينها في كل ذلك واحدة، و إنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة، و من مرارة إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة و العين قائمة، و كما ينتقل طعم الماء بطول المكث فيتغير طعمه و ريحه و العين قائمة.
و نظير الخمر فيما يحل و يحرم بعرض: المسك الذي هو دم عبيط [١] حرام، ثم يجف و يجدد رائحة فيصير حلالا طيبا، فهذه الخمر بعينها المجمع على تحريمها؛ و أصحاب النبيذ إنما يدورون حولها و يتعللون أنهم يشربون ما دون المسكر، و لا لذة لهم دون موافقة المسكر كما قال الشاعر:
يدورون حول الشّيخ يلتمسونه # بأشربة شتى هي الخمر تطلب
و قول القائل:
إياك أعني فاسمعي يا جاره
قيل للاحنف بن قيس: أي الشراب اطيب؟فقال: الخمر. قيل له: و كيف علمت ذلك و أنت لم تشربها؟قال: إني رأيت من أحلت له لا يتعدّاها، و من حرمت عليه إنما يدور حولها! و قال ابن شبرمة:
و نبيذ الزّبيب، ما اشتدّ منه # فهو للخمر و الطّلاء نسيب [٢]
[١] دم عبيط: اي طريّ.
[٢] الطلاء: الخمر الذي يطبخ من عصير العنب.